في المخيال المحافظ الأميركي، تتخذ الأبوة هيئة صارمة وحازمة ارتبطت لسنوات بخطاب دونالد ترامب ومحيطه. لكن داخل المعسكر الجمهوري يبرز نموذج مغاير تماماً للأبوة، يتجسّد في إيلون ماسك، حيث تتحول الروابط العائلية إلى ترتيبات تعاقدية وتمويلية لا أكثر.
وفق ما نقلته تقارير صحفية أميركية، من بينها تحقيق لصحيفة Wall Street Journal، ينهمك ماسك في البحث عن “أمهات” جدد لأطفاله، عبر تفاعلات على منصة X، ورسائل خاصة، وعروض مالية ضخمة، تسبقها اتفاقيات سرية ملزمة قانوناً. عدد أطفاله الدقيق غير معروف، ويرجح أن يفوق الأرقام المتداولة علناً، فيما يبدو أن مشروعه الإنجابي مستمر بلا سقف زمني.
في هذا النموذج، تتقلص العائلة إلى صفقات مالية: التزامات محددة الدفع، سرية مشددة، ومسافة عاطفية كبيرة. لا تظهر مسؤوليات رعاية متبادلة أو روابط حميمية متراكمة، بل ترتيبات تُدار كما لو كانت عقود خدمات، بما يناقض صورة “الأسرة” كما يتصورها المحافظون التقليديون.
يميز ماسك نفسه بنزعة “إنجابية” تقنية-تحررية ترى أن تراجع الخصوبة العالمي خطر داهم وأن “الأذكياء” ينبغي أن ينجبوا أكثر. هذا الخط يقوم على تحسين النوع عبر الانتقاء والموارد، لا على توطيد الأسرة بوصفها نواة رعاية. هكذا ينشأ تباين واضح داخل اليمين: تقليد وأسرة في مقابل تقنية وتكاثر موجَّه.
ورغم أن قاعدة التقليديين المسيحيين ما تزال مؤثرة في الحزب الجمهوري، فإن نفوذ “التِكّيين” أكبر اليوم بفعل المال والمنصات. حتى مع اقتناع أنصار هذا الخطاب بفلسفته، يبقى تعميمه صعباً: فقلّة فقط تملك القدرة المالية على تحويل الأبوة إلى منظومة تعاقدات مستمرة بهذا الحجم.
أبرز الأمثلة التي تداولتها الصحافة: عرضٌ مزعوم قدّمه ماسك للمؤثرة المحافظة آشلي سانت كلير بقيمة 15 مليون دولار، إضافة إلى نفقة شهرية قدرها 100 ألف دولار، مقابل اتفاق صمت. وعندما وصل الخلاف بين الطرفين إلى اختبار أبوة أمام القضاء، قيل إنه خفّض العرض إلى 40 ألف دولار شهرياً. أحد محامي سانت كلير صرّح بأن “المال يُستخدم كسلاح” في هذه الترتيبات. الصورة العامة التي ترسمها هذه الوقائع: الأبوة تنتهي عند لحظة التخصيب، مع دفعات مالية لاحقة، لا التزام رعاية يومي.
تتقاطع شهادات أخرى مع هذه الرؤية: تفضيلات في المعاملة بين “أمهات” الأطفال، تفاوت في المكانة الاجتماعية والمالية، وتذبذب في الاهتمام بالأبناء. يُظهِر الحضور المتكرر لابنه من غرايمز في المناسبات العامة مثالاً على الانتقائية، في وقت توترت علاقات مع أبناء آخرين. وحتى على مستوى التواصل، قد تبقى الرسائل بلا رد، ما يعمّق شعوراً بـ“دراما حريم” تدور في فلك المركز المالي والنفوذ.
الفلسفة المُعلنة والمضمَرة تبدو واحدة: مِرتبية وجدوى. الأداء يُكافأ، والولاء يُثمَّن، والباقي تفاصيل. تلك لغة السوق تدخل غرفة المعيشة: منافسة ناعمة حول القرب والحضور والامتيازات، لا تقاليد رعاية وترابط طويل الأمد. إنها أبوة بعقلية محاسبية، تُدار وفق مزيج من السرية والانتقائية والمردود.
أبعد من حدود العائلة، يحمل هذا النموذج أثراً سياسياً وثقافياً داخل اليمين الأميركي. إذا استطاع رأس المال والمنصة فرض تعريف جديد للأبوة والعائلة، فإن إرث “الأسرة كملاذ” سيتراجع لحساب “العقد كإطار”. هنا يصبح السؤال أكبر من شخص ماسك: هل تعاد صياغة القيم العائلية المحافظة بعيون وادي السيليكون؟