دونالد وينيكوت: كيف نستعيد الذات الحقيقية؟

أضيف بتاريخ 01/02/2026
منصة المَقالاتيّ

يقدّم دونالد وينيكوت، طبيب الأطفال الذي صار محللًا نفسيًا، منظورًا فريدًا لمفهوم الذات يميّزه عن «الأنا» أو «الهو» في التصور الفرويدي. عنده، الذات يمكن أن تكون حقيقية تمنح الإحساس بالحياة والمعنى، وقد تُضطر أحيانًا إلى الاحتماء خلف ذات زائفة تتكيّف مع بيئة لا تسند النمو. السؤال العملي هو كيف يتكوّن هذا القناع، ولماذا يظهر، وكيف يعود الإنسان إلى صوته الأصيل.



الذات الحقيقية، في تصوّر وينيكوت، تُولد وتكبر داخل علاقة أولية بين النفس والجسد، وتحتاج إلى بيئة إنسانية «حاسمة» تستقبل العفوية الأولى وتحميها باستمرار. ليس الأمر تنظيرًا مجرّدًا؛ أربعون سنة من لقاءات الأم-الرضيع صاغت نظرته إلى الاحتياج الفعلي للرضيع إلى «الاحتواء» الجسدي والنفسي. حين يتوافر هذا الاحتواء، تظهر مبكرًا القدرة على اللعب والرمز والحلم والإبداع، وهي علامات نموّ ذاتٍ تشعر بوجودها، وتستطيع لاحقًا اختيار العزلة الخلّاقة والراحة دون أن تنطفئ شرارة التعبير.

حين تتعرّض هذه الاستمرارية لقطيعة، تنشأ الذات الزائفة كدرعٍ مؤقّت. وظيفتها مزدوجة: تحمي الداخل كي لا ينطفئ «النار» الأصلية، وتتكيّف خارجًا مع بيئة صارمة تطلب الامتثال أو مع فراغ بيئي لا يستجيب. بهذا المعنى، ليست كل مظاهر المجاملة اليومية ذاتًا زائفة؛ الخطر يبدأ حين تصبح حياة الفرد سلسلةً من استجابات مطابقة لا تحمل أثرًا للإبداع والراحة الداخلية. في مثل هذه الحالات، نرى شكاوى متكررة من خواء ومعاناة بلا معنى، لا تُحل بتحليل دفاعات الأنا وحدها، لأن العمل يجري مع «واجهة» متعاونة تحجب الشخص الحي.

أدوات الوصول إلى الذات الحقيقية ليست نظرية فحسب. وينيكوت يعلّم الإصغاء إلى الحركات الصغيرة، فترات الصمت، النظرات، والجسد بصفته مكان الذات. لعبته الشهيرة في العيادة، خطّ خربشة يتبادله مع الطفل، تكشف كيف يتراجع الدفاع حين يلتقي الطفل بمعالج أصيل في حضوره وثباته، فيُعاد بناء خبرة احتواءٍ غابت في الماضي. عند هذه النقطة يصبح قول الحقيقة البسيطة، مثل الاعتراف بأن شخصًا «لم يبدأ بعد في أن يعيش تجربته كذات»، مفتاحًا لاتصال لا يهدّد الداخل، ويهيّئ أرضًا جديدة للنمو.

أهمية البيئة لا تعني تبرئة الفرد من مسؤوليته عن حياته، لكنها تربط إمكان الأصالة بجغرافيا الرعاية المبكرة. تجربة الفصل القسري بين الأم وأطفالها زمن الحرب، وأبحاث الاضطراب العاطفي في مؤسسات الرضع، تُظهر كيف يبهت «صورة الأم» في نفس الطفل حين تتراكم فترات الانقطاع. وفي مسارات أخرى، قد تغيب الأم نفسيًا تحت وطأة الاكتئاب، فينشأ خوفٌ من انهيارٍ يُعاش اليوم بوصفه تهديدًا قادمًا، مع أنّه وقع بالفعل قبل أن تتوحّد الذات. هنا يصبح دور التحليل النفسي تحقيقًا تاريخيًا دقيقًا يعيد تنظيم ما عُشي دون أن يُفكَّر فيه.

أن تكون لك ذاتٌ حقيقية لا يعني صخبًا دائمًا أو «أداء» خارجيًا بذاته. الصحة النفسية، كما يلمّح وينيكوت، تشمل القدرة على أن ترتاح، وأن تتخيّل الآخر وتتعاطف معه، وأن تمتلك «غرفة لك وحدك» تتراجع إليها لتفكّر وتبدع. وقد يأتي التراب الجديد الذي تحتاجه الذات من صداقةٍ وفيّة، أو قراءةٍ مخلصة، أو عملٍ يحتضن إيقاعك الخاص، تمامًا كما قد يأتي من علاقة علاجية تُعيد بناء الاستمرارية التي انكسرت. المهم هو أن يعود الفعل اليومي ليحمل أثر حياةٍ يشعر صاحبها أنه موجود فيها فعلًا.

هذا المقال يستلهم نقاش برنامج «Avec philosophie» على منصة France Culture حول أفكار وينيكوت ومفهوم «الذات الحقيقية والذات الزائفة»، ويشير إلى أعماله الأساسية وتجربته الإكلينيكية الممتدة مع الأم والرضيع.