يرسم عزمي بشارة، في محاضرته حول «المشروع الوطني الفلسطيني في السياق العربي والدولي الراهن»، خارطة فكرية تمتد من نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى تداعيات «طوفان الأقصى»، محاولًا تعريف ما يعنيه فعلًا «المشروع الوطني». يرفض اختزال المفهوم في مجرد برنامج سياسي مكتوب، ويطرح بدلًا من ذلك رؤية تعتبر المشروع الوطني منظومة مترابطة: أهداف سياسية قابلة للتحقق، واستراتيجيات نضال واضحة، وحامل اجتماعي–سياسي شرعي يحظى بتأييد واسع، ومؤسسات تمثيلية قادرة على إدارة الصراع وحماية المجتمع في آن واحد.
من هذا المنطلق يتتبع بشارة تطور هذا المشروع عبر محطات مفصلية: تأسيس منظمة التحرير في سياق المد القومي العربي، التحول بعد هزيمة 1967 وصعود الكفاح المسلح كأداة مركزية للنضال، ثم انتكاس هذا المسار بعد حرب 1973 واتفاقات كامب ديفيد، وصولًا إلى الانتقال التدريجي لثقل الحركة الوطنية إلى الداخل الفلسطيني مع الانتفاضة الأولى. هذه الأخيرة، بوصفها انتفاضة شعبية مدنية، فتحت الباب أمام الاعتراف الدولي الواسع بالقضية، لكنها مهّدت أيضًا لتبنّي صيغة «حل الدولتين» عبر إعلان دولة فلسطين في الجزائر عام 1988 على أساس قرارات الأمم المتحدة منذ 1947، بما يعني قبولًا ضمنيًا بمنطق التقسيم.
يُفرد بشارة حيزًا واسعًا لشرح كيف أدى مسار أوسلو إلى تفكك المشروع الوطني بدل توحيده؛ فمنظمة التحرير، التي كان يفترض أن تبقى إطارًا تحرريًا فوق سلطوي، اندمجت في بنية السلطة الناشئة تحت الاحتلال، ففقدت استقلالية قرارها السياسي. في المقابل، نشأت حركة حماس كمشروع موازٍ يرفع شعار الكفاح المسلح ورفض أي تنازل عن فلسطين التاريخية، قبل أن تعود هي الأخرى لاحقًا إلى قبول دولة في حدود 1967 في وثيقة 2017، من دون إنهاء القطيعة مع مسار منظمة التحرير. ومع الحصار على غزة ثم الانقسام بعد 2007، تشكّل واقع سلطتين متناحرتين؛ واقع يرى فيه بشارة «فجيعة كبرى» لأنه حوّل تعدد المشاريع الفلسطينية إلى تنافس مدمِّر على الشرعية.
في قراءته لـ«طوفان الأقصى» يربط بشارة العملية بسياق الحصار الطويل على غزة، والتراكمات الناجمة عن الاقتحامات المتكررة للأقصى، واستمرار الاستيطان، ومشاعر التحدي داخل الساحة الفلسطينية. لكنه يلفت إلى مفارقة قاسية: الأهداف المعلنة للعملية تحقّق عكسها تقريبًا؛ فالاستيطان تعزّز، والاقتحامات تصاعدت، والتطبيع العربي لم يتراجع بل ازداد بمشاريع جديدة، بينما جاء الرد الإسرائيلي بحرب إبادة في غزة، واصطفاف غربي رسمي غير مسبوق إلى جانب تل أبيب، مقابل موجة تعاطف شعبي عالمي واسعة مع الفلسطينيين. في هذه المعادلة المزدوجة، يرى أن خروج القضية من التهميش الدولي ترافق مع تشديد غير مسبوق لأدوات القمع، داخل فلسطين وخارجها، عبر قوانين تجريم التضامن وحملات العداء للمسلمين وتقييد حرية التعبير في الجامعات الغربية.
انطلاقًا من هذا الواقع، يدعو بشارة إلى إعادة تعريف مركزية النضال: من صراع على شكل الدولة (واحدة أم اثنتان) إلى مواجهة بنية نظام الأبارتهايد الذي يترسخ في فلسطين التاريخية. فالتوسع الاستيطاني، والضم الزاحف في الضفة، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى «غيتوهات» محاصرة، وتقييد الحركة عبر الحواجز والبوابات الحديدية، وحرمان السكان من الحقوق السياسية، كلها عناصر لنظام فصل عنصري معلن لا يختلف في جوهره عن تجربة جنوب إفريقيا، وإن كان جزءًا من مشروع استيطاني أشمل. لذلك يرى أن الشعار الجامع في هذه المرحلة يجب أن يكون تفكيك نظام الأبارتهايد، بنهج ديمقراطي ولغة كونية قابلة للتفهّم عالميًا، على أن يترك سؤال «دولة أو دولتين» لمرحلة لاحقة، بعد تعديل موازين القوى وبلورة استراتيجية فعلية.
في المقابل، يرفض بشارة تحويل هذا التركيز على الأبارتهايد إلى تقزيم للقضية في ملف «حقوقي–معيشي» منفصل عن جوهرها التحرري؛ إذ يؤكد أن الحديث عن الفصل العنصري هو تسمية للشكل العياني الذي اتخذه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، لا بديلًا عن مفهوم الاحتلال أو عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير والعودة. كما ينتقد التعويل المفرط على «سلاح الشعارات» دون بناء مؤسسات قادرة على إدارة حياة الناس؛ فالشعب، في نظره، يحتاج إلى بلديات وكهرباء وصحة وتعليم بقدر حاجته إلى خطاب تحرري واضح، ما يفرض الفصل بين مؤسسات إدارة الشأن المدني تحت الواقع القائم، وبين قيادة سياسية وطنية متحررة من قيود التنسيق الأمني والاتفاقيات المجحفة، على غرار المجلس الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا.
في قراءته للبيئة الدولية، يحذر بشارة من منطق القوة الذي أصبح يحكم السياسة العالمية مع صعود إدارة ترامب وتحالفها العضوي مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتحول الولايات المتحدة إلى واجهة صريحة لسياسة «من يملك القوة يفرض الشروط» إقليميًا ودوليًا. هذا المنطق، إذا لم يجد مقاومة عربية وإقليمية جدية، يكرّس إسرائيل قوة مهيمنة في المشرق، تتحكم ليس فقط بمصير الفلسطينيين، بل بما يجري في لبنان وسوريا وربما الأردن. وفي الوقت نفسه يشير إلى أن الأزمات الداخلية في الغرب، والصراع بين نزعة سلطوية محافظة والديمقراطيات الليبرالية، قد يفتح نوافذ محدودة يمكن استثمارها، شرط وجود مشروع وطني فلسطيني موحَّد قادر على توظيف موجات التضامن الشعبي بدل الاكتفاء بالتعويل عليها.
على مستوى «ما العمل؟» يقدّم بشارة خطوطًا عامة أكثر من وصفات جاهزة. يدعو إلى: إعادة بناء وحدة حاملة للمشروع الوطني تتجاوز ثنائية «سلطة الضفة–سلطة غزة»، عبر فصل المنظمة عن السلطة وإعادة إطلاقها كإطار تمثيلي تحرري مستقل عن التزامات أوسلو؛ تبني خطاب واضح ضد نظام الفصل العنصري، من دون التنازل عن الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية الفلسطينية؛ دعم أشكال النضال المدنية والشعبية، في الداخل والخارج، باعتبارها مكملة لا نقيضًا لأشكال المقاومة الأخرى؛ وتحمّل فلسطينيي الشتات مسؤولية أكبر في المرحلة المقبلة، في ظل التضييق الشديد على الفعل الجماهيري في الضفة وغزة. وبين التشخيص الحاد والوعي بثقل اللحظة، يترك بشارة الباب مفتوحًا على أفق أمل مشروط: لا حتميات في السياسة، لكن وجود شعب حيّ على أرضه، يمتلك ذاكرة نضال طويلة وشبكات تضامن عالمية ناشئة، يظل قاعدة يمكن البناء عليها إذا توافرت الإرادة لصياغة مشروع وطني جامع جديد.