أحدث مُولّد فيديوهات من OpenAI، سورا 2، يضع فكرة “الواقع الموضوعي” تحت اختبار صعب، إذ تُظهر تقنياته كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن ينتج مقاطع شديدة الإقناع قد تربك إدراكنا اليومي. قبل انتشار هذه التقنيات، كان المناخ السياسي المنقسم يجعل الاتفاق على الحقائق أمرًا عسيرًا. لكن البوذية تعاملت مع هذا الالتباس منذ زمن بعيد بوصفه جزءًا من طبيعة الخبرة الإنسانية، لا استثناءً لها. فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج فيديوهات واقعية تُحتم مساءلة ثقتنا بحواسنا.
يقدّم “سوترا القلب” خلاصة هذا الموقف: يرى أفلوكيتشفارا، عبر ممارسة الحكمة العميقة، أن العناصر الخمسة (سكنده) هي فراغ محض؛ ومن هذا الفهم تُتجاوز المعاناة. المعنى العملي هنا أن ما نبنيه بوصفه “أنا” وتجربةً وقيمةً ليس له جوهر ثابت، بل هو تدفّق من شكلٍ تُدركه الحواس، وانفعالات تنبثق من الإدراك، وتعيينٌ ذهني يمنح الأشياء أسماءً ودلالات، وتشكّلات إرادية تُوجّه فعلنا وردّ فعلنا، ثم وعيٌ يتغذّى على الذاكرة ويستدعيها ليواجه الجديد. هذا البناء ليس وهمًا كاملًا ولا حقيقةً صلبة؛ إنه قابل للتشكل ويتبدّل مع السياق.
حين تعرض المُدرّسة الروحية مياو غوانغ صورة كأس “آيس كريم” وتطلب وصفه، يتشكل لدينا طعم وتوقّع ومتعة. ثم تكشف أنه زبدة لا مثلّجات. التجربة تُظهر أن الحواس تُسارع لملء الفراغ بخبراتٍ سابقة، فتتعزّز تحيّزاتٌ تعطي “واقعًا” يبدو موضوعيًا. تعليم المراهقين بهذا المثال يقود بعضهم إلى استنتاجٍ عدمي: لا شيء واقعي ولا شيء مهم. لكن السؤال الأبسط “هل هذه الكرة التي تصطدم بك حقيقية؟” يعيد الميزان إلى مكانه: البوذية لا تدعو للإنكار، بل لمعرفة أن البنية التي تسند الواقع فارغة من الثبات، وأن التشبّث بجوهرٍ مزعوم يقود إلى الدوكها؛ معاناة وإحباط.
حدود الحواس وزوال الأشياء يعنيان أن ما نسمّيه واقعًا موضوعيًا ليس إلا لقطةً زمنيةً محدودة. قبول فراغ السكنده يمنحنا فرصة رؤيةٍ أدق: كيف تكون الأشياء كما هي، لا كما نتوقعها. وصول الذكاء الاصطناعي التوليدي يربك هذا البناء أكثر، لأن الفيديوهات المزيفة المُقنعة تُضاعف الشك. لكن الشك المطلق ليس حلًا. كما بحث بوذا عن الطريق الوسط بين الترف والقسوة على الذات، علينا أن نبحث عن وسطٍ معرفي لا يُسلم حواسنا للإنكار ولا يرفعها إلى مقام العصمة. إعادة بناء الثقة تمرّ عبر توسيع الخبرة، والإنصات إلى تجارب متعددة، ومراجعة مصادرنا.
يقول “سوترا القلب”: لا جهل ولا نهايةً للجهل، لا شيخوخة ولا موت ولا نهاية لهما، لا معاناة ولا منشأ لها ولا طريق ولا إتمام، لا حكمة ولا معرفة تُقتنى. المعنى هنا عملي أيضًا: لا تُسلّم لما تراه على الشاشات كأنه يقين، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي؛ اختبره، وسّع منظورك، واسمح لتعدد الخبرات أن يُعيد تشكيل إدراكك دون يقينٍ هش ولا شكٍ مستديم.