تتصاعد في السنوات الأخيرة مؤشرات توحي بأن النظام الدولي يبتعد عن منطق ما بعد الحرب الباردة، ليعود تدريجياً إلى عقلية الإمبراطوريات ومناطق النفوذ. قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين تتصرف أقل فأقل كدول «عادية» داخل منظومة متعددة الأطراف، وأكثر فأكثر كقوى توسعية تسعى إلى توسيع مجالها الجغرافي أو السياسي أو الاقتصادي، وتفرض وقائع جديدة على الأرض بعيداً عن روح القانون الدولي.
تتجلى هذه العودة الإمبراطورية في ملفات متعددة: الحرب الروسية على أوكرانيا بوصفها محاولة لإعادة تشكيل الخريطة الأمنية الأوروبية؛ تشديد قبضة بكين على هونغ كونغ ومكاو وتصاعد الضغط على تايوان؛ إعادة تفعيل منطق «مبدأ مونرو» في السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية؛ والاهتمام المتزايد بالأراضي الغنية بالموارد مثل فنزويلا أو غرينلاند بوصفها «أطرافاً» يمكن إدماجها في فضاءات نفوذ جديدة. في خلفية هذه التحركات، يظهر سباق محموم على الطاقة والمعادن النادرة والممرات البحرية، تغذّيه قناعة متنامية بأن مرحلة الوفرة والاستقرار النسبي قد انتهت.
في الوقت نفسه، تبدو المنظمات المتعددة الأطراف التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، عاجزة عن ضبط هذه العودة إلى منطق القوة. فشل مجلس الأمن في منع خروقات جسيمة للقانون الدولي، وتآكل الثقة في آليات التسوية السلمية، وتزايد لجوء الدول الكبرى إلى تحالفات ظرفية و«صفقات» ثنائية، كلها مؤشرات على أن الإطار الذي صُمم لفرملة النزعات الإمبراطورية بات هو نفسه موضع تجاوز ممن يفترض بهم احترامه. بذلك، يتحول النظام العالمي إلى فضاء أكثر سيولة، حيث تُختبر الخطوط الحمر في الميدان أكثر مما تُرسم على طاولة المفاوضات.
أوروبا تجد نفسها في قلب هذا التحول من دون أن تمتلك بعد أدواته الكاملة. من جهة، يحمل تاريخها إرثاً ثقيلاً من الإمبراطوريات الاستعمارية والحروب الكبرى، وهو ما دفع المشروع الأوروبي منذ بداياته إلى بناء فضاء يتجاوز المنطق الإمبراطوري لصالح شراكات قانونية ومؤسساتية. ومن جهة أخرى، جعل هذا الخيار القارة تعتمد بشكل واسع على المظلة الأمنية الأميركية، ما تركها اليوم مكشوفة نسبياً في بيئة دولية أقل احتراماً للتعهدات الجماعية وأكثر ميلاً إلى الصفقات القسرية.
إزاء عودة الإمبراطوريات، يطرح السؤال بحدة: هل تكون أوروبا مجرد ساحة تنافس بين القوى الكبرى، أم قادراً على التصرّف كقطب استراتيجي بحد ذاته؟ الجواب يمر عبر جملة شروط صعبة لكنها ضرورية: قدر أكبر من التماسك السياسي داخل الاتحاد، إصلاح لآلياته بما يسمح بقرارات أسرع في قضايا الأمن والدفاع، استثمار جاد في القدرات العسكرية المشتركة، وتثمين لأوراق القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي ما زالت بحوزته. والأهم من ذلك، الدفاع عن نموذج يراهن على «قوة القانون» لا «قانون القوة»، أي على مزيج من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والضمانات القانونية، باعتباره بديلاً جذاباً عن منطق الإمبراطوريات القديمة والجديدة.
في عالم يتجه نحو إعادة رسم الخرائط ومناطق النفوذ، لا يكفي لأوروبا أن تكتفي بدور المراقب القَلِق أو الوسيط الأخلاقي. عليها أن تحسم موقعها: إما فضاءً تابعاً يتأثر بتحولات الآخرين، أو فاعلاً واعياً بتاريخه ومسؤوليته، قادراً على الدفاع عن نفسه وعن رؤيته للنظام الدولي. فالتاريخ يُظهر أن الفراغات الجيوسياسية لا تدوم طويلاً؛ فإن لم تملأها مشاريع مشتركة قائمة على التوازن والحق، ستملأها حتماً إمبراطوريات جديدة لا ترى في الأطراف سوى هوامش يمكن استغلالها أو إعادة رسمها وفق منطق القوة وحده.