كان جيفري إبستين على صلة وثيقة وممتدة بعشرات العلماء البارزين، في شبكة تكشف اليوم عن بعد جديد من قضيته، أبعد بكثير من مجرد تمويل «محايد» للأبحاث. فمع نشر ملايين الوثائق القضائية في الولايات المتحدة أواخر يناير، ظهرت مراسلات وأسماء جديدة تُظهر مدى عمق علاقاته مع أوساط البحث العلمي والنخبة الأكاديمية.
تكشف الرسائل عن تواصل مباشر ومتكرر بين إبستين وعدد من العلماء، من بينهم الفيزيائية النظرية في هارفارد ليزا راندال، التي زارته في جزيرته الخاصة في الكاريبي وراسَلته حول مشاريع فنية–علمية مشتركة. اسمها يرد ضمن لائحة تضم نحو ثلاثين عالمًا رفيع المستوى كان يحتفظ بها إبستين، وتشمل حائزين على جوائز نوبل مثل موراي غيلمان ودانيال كانيمان، وأسماء بارزة في العلوم المعرفية والفيزياء مثل ستيفن بينكر، ستيفن هوكينغ، وإيريك لاندر، إلى جانب شخصيات فكرية كنعوم تشومسكي.
ملفاته تتضمن أيضًا إشارات متكررة لرموز من وادي السيليكون مثل بيل غيتس وإيلون ماسك وجيف بيزوس وسيرغي برين ولاري بايج، ما يعزز صورة رجل كان يسعى إلى مراكمة علاقات مع قمّة الهرم العلمي والتكنولوجي بقدر ما كان يراكم الثروة والنفوذ. وقد لخّص الفيزيائي الأميركي بيتر ويت هذه الازدواجية بالقول إن إبستين سخّر ثروته ذات المصدر الغامض لخدمـة شغفين رئيسيين في حياته: استغلال الشابات جنسيًا ومخالطة العلماء المشهورين.
مع ذلك، لا يعني ورود اسم شخص في ما بات يعرف بـ«Epstein Files» بالضرورة تورطه في جرائم إبستين؛ ففي بعض الحالات لا تتعدى الصلة دعوة إلى فعالية، أو وجودًا في قائمة بريدية، أو وساطة نشر من طرف وكلاء أدبيين. غير أن كثافة الأسماء وحجم التبادل تكشف عن مدى تغلغل إبستين في البنية غير الرسمية للبحث العلمي الممول من القطاع الخاص، وعن هشاشة الحواجز الأخلاقية والمؤسسية في التعامل مع المانحين الأثرياء.
تكشف المراسلات أيضًا أن إبستين لم يكن مجرد «محفظة مال» تموّل المختبرات من بعيد، بل كان منخرطًا فعليًا في النقاشات العلمية مع بعض الباحثين الذين دعمهم، مثل عالم البيوماثماتيك مارتن ناواك والرياضية كورينا تارنيتا. كان يناقش معهم موضوعات مثل «تطور الأسواق» و«ظهور الحياة»، ويتلقى نسخًا من مقالات علمية قبل نشرها، بل ويقترح عليهم كيفية الرد على الانتقادات.
هذا المستوى من الانخراط دفع بعض من عايشوا تلك المرحلة إلى القول إن الساحة الأكاديمية لم تعرف من قبل ممولًا خاصًا حاضرًا بهذه القوة في صلب العملية البحثية نفسها، لا عند الهامش الإداري فقط. من هنا تأتي الدعوات داخل الأوساط العلمية اليوم إلى مراجعة نقدية عميقة لكيفية التعامل مع أموال المانحين، وللحدود التي ينبغي رسمها بين الدعم المالي وتأثيره في مسارات البحث وأولوياته.
على مستوى المشاريع، لم يقتصر اهتمام إبستين على تمويل أعمال رصينة؛ فقد انجذب أيضًا إلى مشاريع ذات طابع مضارب أو مريب علميًا وأخلاقيًا، مرتبطة بالترانس-humanisme وأفكار قريبة من اليوجينيا والذكاء الاصطناعي. وثائق جديدة تشير إلى مفاوضات متقدمة لتمويل شركة للتعديل الجيني، مع اهتمام خاص بصفات مثل لون العينين، وإلى تمويل اختبارات جينية يُرجَّح أنه أراد استخدامها في مشاريع للطب التجديدي توظف مادته الجينية شخصيًا.
بعض العلماء الذين استفادوا من أمواله وجدوا أنفسهم لاحقًا تحت المساءلة المؤسسية؛ فالباحث المتخصص في الميكانيك الكوانتي سيث لويد، مثلًا، عوقب إداريًا في معهد MIT بعد أن تبين أنه تلقى تبرعات وتمويلًا شخصيًا من إبستين دون إخبار مؤسسته، رغم إقراره بأن بعض الأبحاث التي موّلها كانت ذات قيمة علمية حقيقية. هذا التناقض بين «جودة» بعض المشاريع وخطورة مصدر المال يسلط الضوء على معضلة أخلاقية مركزية في علاقة الجامعة بالممول الخاص.
في المحصلة، تكشف الوثائق أن إبستين لم يكن مجرد مجرم جنسي له صلات عرضية بعالم العلم، بل كان فاعلًا متموضعًا في قلب شبكة كثيفة من العلماء والجامعات والوسطاء الثقافيين والتكنولوجيين. هذه الشبكة لم تُنتج فقط صورًا محرجة أو مراسلات مشبوهة، بل طرحت أسئلة بنيوية حول هشاشة النظام الأخلاقي الذي يحكم تمويل البحث العلمي، وحول استعداد مؤسسات مرموقة لغض الطرف عن المصادر المشبوهة للمال ما دام ذلك يفتح أمامها مشاريع وتجهيزات وفرص نشر جديدة.