«العالم بحسب إيفري» هو بودكاست يصدر عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، يقدّمه مارك إيكر بصفته المدير التنفيذي للمعهد ورئيس تحرير مجلة «السياسة الخارجية». يهدف البرنامج إلى إبراز تنوّع الأبحاث التي ينتجها المعهد وتقديم مفاتيح لفهم التحوّلات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة. في هذه الحلقة، يستضيف إيكر الاقتصادي سيباستيان جان، أستاذ الاقتصاد في المعهد الوطني للفنون والمهن ومدير مبادرة «الجيواقتصاد والجيومالية» داخل المعهد، لمناقشة مقاله المعنون «من ترامب إلى شي جين بينغ، القطيعة الكبرى في العولمة» المنشور في عدد الربيع من مجلة «السياسة الخارجية».
يصف جان في مداخلته الإجراءات الاقتصادية، ولا سيما التجارية، التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها بمثابة «زلازل على المستوى العالمي». فمن خلال الزيادات المتتالية في الرسوم الجمركية، انتقل متوسط الحماية الجمركية في الولايات المتحدة من نحو 3,5٪ إلى ما يقارب 17٪، مع مستويات أعلى بكثير على بعض القطاعات الحساسة مثل الفولاذ والألمنيوم والسيارات والمنتجات التكنولوجية. يقدّم جان هذه المنظومة الجديدة في صورة «حماية ذات حُجرتين وثلاث طبقات»: قطاعات استراتيجية تُعامل باسم الأمن القومي بمعزل عن بقية الاقتصاد، ثم طبقات من الشركاء تتراوح معاملتهم بين تشديد كبير تجاه الصين وتفضيل واضح لجيران الولايات المتحدة في إطار اتفاق الولايات المتحدة–المكسيك–كندا، بينما يقع باقي الشركاء، ومنهم الأوروبيون، في منطقة وسطى من الرسوم المتوسطة مع قدر كبير من التقلب وعدم اليقين.
برأي جان، أدّت هذه السياسة إلى خرق مزدوج لمرتكزين أساسيين في النظام التجاري المتعدد الأطراف: مبدأ عدم التمييز بين الشركاء، ومبدأ قابلية التنبؤ بالالتزامات الموقّعة، ما أضعف الثقة في قواعد منظمة التجارة العالمية ورسّخ استخدام الرسوم الجمركية أداةً للضغط السياسي. ويشير إلى أن الأهداف المعلنة لهذه الاستراتيجية – إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة، مواجهة الصعود الصيني، تعزيز التفوق التكنولوجي وتحسين وضع المالية العامة – تصطدم بحدود عملية واضحة، من بينها تأثير محدود على الوظائف الصناعية، وتكاليف يتحمّلها المستهلك الأميركي والحلفاء، إضافة إلى نتائج عكسية محتملة في المنافسة مع الصين.
في الجزء الثاني من الحوار، ينتقل النقاش إلى الصين، حيث يتناول جان تضخم الفائض التجاري الصيني خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في المنتجات الصناعية. يربط هذا الفائض بعدة عوامل بنيوية: تفضيل السلطات الصينية تحفيز جانب العرض على حساب الطلب الداخلي، دعم واسع النطاق للقطاع الصناعي عبر الائتمان الرخيص والطاقة المدعومة وسياسات صناعية كثيفة، إلى جانب الإبقاء على سعر صرف منخفض نسبياً في سياق ضغوط انكماشية داخلية. كل ذلك أدى إلى فائض تجاري ضخم يضغط على الصناعة في بقية العالم، وخاصة في أوروبا.
أمام هذا المشهد، يرى جان أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه بين «مطرقة» سياسة أميركية متقلّبة تستخدم التجارة أداة ضغط، و«سندان» فائض صيني متنامٍ وسياسات صناعية هجومية، في حين أن اقتصاده يعتمد هيكلياً على انفتاح تجاري يسمح بتأمين الطاقة والمواد الأولية وتصدير المنتجات الصناعية والخدمية. لذلك يدعو إلى تحديث «برمجية» السياسة الأوروبية من خلال تعزيز أدوات الدفاع التجاري، وضبط أشكال الدعم الأجنبي التي تشوّه المنافسة داخل السوق الموحدة، وتقليص مواطن التبعية الاستراتيجية في مجالات مثل المعادن النادرة والمكوّنات الصيدلانية الأساسية والتكنولوجيات الحساسة. بهذه الخلفية، يقدّم البودكاست مثالاً على كيفية توظيف التحليل الاقتصادي لفهم التحولات الجارية في بنية العولمة بين واشنطن وبكين وبروكسل.