تحوّل السعودية تجاه إسرائيل: تراجع فرص التطبيع

أضيف بتاريخ 02/25/2026
منصة المَقالاتيّ

تُظهر قراءة استعرضها مقال معهد INSS الذي استند إلى استطلاعات رأي وتصريحات رسمية وتحليل للمحتوى الفكري والتحركات الدبلوماسية انعكاسا متقاطعا لميول الرأي العام السعودي، ورسائل القيادة، والمشهد الفكري داخل المملكة، والخطوات الدبلوماسية الأخيرة، أن الرياض تعيد ترتيب أجندتها حيال إسرائيل والتطبيع. يميل هذا المسار إلى إبراز مسافة سياسية محسوبة تخدم شرعية الحكم داخلياً وتُعزز مسعى السعودية لقيادة إقليمية متوازنة، مع تقديرٍ متزايد للمخاطر مقارنة بالفرص في أي تقارب سعودي إسرائيلي. هذا التحول يعني أن ملف التطبيع ليس مطروحاً الآن، وأن أي عودة إليه ستتوقف على تطورات القضية الفلسطينية، وتحولات ميزان القوى الإقليمي، وعلى صورة إسرائيل لدى الجمهور والنخب في المملكة.



قبل حرب غزة، سلكت السعودية نهج تقارب حذر مع إسرائيل، مستفيدة من اتفاقات إبراهيم وهدوء نسبي في الساحة الفلسطينية، ومن مبادرات أمريكية فتحت نافذة لـ“تطبيع زاحف”. شمل ذلك السماح للرحلات الإسرائيلية باستخدام الأجواء السعودية كما ورد في تقارير صحفية، وتعاوناً أمنياً هادئاً أُشير إليه في الصحافة الدولية، إلى جانب تصريحات إيجابية من مسؤولين سعوديين بقيادة ولي العهد الذي وصف إسرائيل بأنها “حليف محتمل” في مقابلة إعلامية، ورسائل موجهة للرأي العام الإسرائيلي عبر وسائل إعلام. ومع ذلك، حافظت الرياض على إنكار قابل للتصديق لأي ربط بين هذه الخطوات والتطبيع، مؤكدة أن استخدام الأجواء لا يرتبط بعلاقات ثنائية.

في 7 أكتوبر 2023، حققت حماس هدفاً واضحاً بإرباك مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي. مشاهد الدمار في غزة والغضب الشعبي العربي دفعا المملكة إلى تبريد مقاربتها وتحديد شروط أشد صرامة. كان يُعتقد قبل ذلك أن الرياض مستعدة للتقدم دون اشتراط فوري لحل الدولتين؛ اليوم ترى القيادة السعودية أن دعم الفلسطينيين ركيزة لحماية الشرعية الداخلية ومكانة ولي العهد. هذا التعديل انعكس في قياس الرأي العام: فقد أظهر استطلاع معهد واشنطن في أغسطس 2025 أن 99% من السعوديين يعتبرون إقامة “علاقات طبيعية وسلام” مع إسرائيل خطوة سلبية، بينما تراجعت النظرة الإيجابية لاتفاقات إبراهيم من 41% عام 2020 إلى 13% في 2025. هذا الميل قيد هامش مناورة العائلة المالكة، وزاد كلفة أي انفتاح غير مشروط على إسرائيل.

على مستوى الخطاب الرسمي، كان ولي العهد قد صرّح قبل الحرب بأسبوعين أن التطبيع يخدم المصالح السعودية وأن “كل يوم يقرّبنا أكثر”، وفق مقابلة متلفزة، بينما أكد السفير السعودي في لندن أن الطرفين كانا قريبين من اتفاق، بحسب بي بي سي. بعد اندلاع الحرب تبدّلت النبرة جذرياً، وظهرت خطابات حادة تُدين ما اعتُبر “إبادة جماعية” بحق الفلسطينيين، كما برز في كلمات ولي العهد أمام مجلس الشورى التي نقلتها وسائل إعلام عربية، وأخرى عُقب ضربة إسرائيلية في قطر في سبتمبر 2025 مع تعهد بدعم الدوحة “دون حدود” كما جاء في تصريحات منشورة.

توازى ذلك مع إزالة اللبس حول شرط التطبيع: تؤكد الرياض مراراً أنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما ورد في بيانات رسمية وتقارير صحفية. وزير الخارجية فيصل بن فرحان شدد أن التطبيع “غير مطروح” قبل الدولة الفلسطينية، منتقداً تقاعس واشنطن عن كبح إسرائيل وتخفيف الكارثة الإنسانية في غزة، ومعتبراً أن ضمانات أمنية أو تعاوناً استراتيجياً لا تبرر تجاوز هذا المبدأ، وفق مقابلات وتصريحات منشورة في العربية وتايمز أوف إسرائيل.

انقلاب الخط التحريري المحلي يعكس هذا التحول. قبل الحرب، دعمت مقالات الرأي ضمنياً فكرة التقارب مع إسرائيل باعتبارها “حليفاً موضوعياً” ضد إيران كما كتب مشاري الذّايدي، وتوقع فيصل عباس احتمالاً كبيراً لاتفاق ترعاه واشنطن. بعد الحرب، غلبت مقالات تُدين الانتهاكات الإنسانية، وترفض التطبيع بلا دولة فلسطينية. تزامن ذلك مع رصد ارتفاع خطابات معادية لليهود في الفضاء العام، رغم إصلاحات في المناهج أزالت تمثيلات سلبية كما وثّق Impact-SE. حذّرت رابطة مكافحة التشهير من ازدياد “الإيحاءات المعادية للسامية” لدى أصوات سعودية مؤثرة، وهو ما انعكس أيضاً في رسوم كاريكاتورية تناولتها تقارير متخصصة، وأشارت إليه متابعات إعلامية.

ازدادت الحدة بعد ضربات إسرائيلية في قطر وفق تقارير، ومع اعتراف إسرائيل بـاستقلال صوماليلاند، وتصاعد التوتر السعودي الإماراتي كما غطّته فايننشال تايمز. وصف افتتاحي في صحيفة الرياض وجود إسرائيل بأنه قرين للدمار وتفكيك الصف العربي، وذهب كاتب سعودي بارز إلى توصيف الإمارات بـ“حصان طروادة الصهيوني” في مقال تصدّر الصفحة الأولى لجريدة الجزيرة، معتبراً الشراكة الإماراتية الإسرائيلية نقيضاً للوحدة العربية ومهدِّدة للاستقرار الإقليمي.

كما تابعت السعودية بقلق نوايا ضم الضفة الغربية والتصريحات الإسرائيلية حول الوضع القائم في الحرم الشريف. أدانت المملكة قول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن إسرائيل “صاحبة السيادة على جبل الهيكل”، وفق تغطيات محلية، كما قوبلت تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش التي سخر فيها من شروط الرياض للتطبيع بانتقادات خليجية واسعة، نقلتها الصحافة الإماراتية، مع تأكيد مصادر داخل العائلة الحاكمة أن التطبيع “غير ممكن” مع التشكيل الحكومي الحالي، بحسب تقارير إقليمية. كما ندّدت الخارجية السعودية بإعلانات إسرائيل توسيع السيطرة على الضفة في بيانات رسمية.

دبلوماسياً، قادت الرياض مع باريس مسعى للاعتراف بدولة فلسطينية، في محاولة لرفع مستوى حضورها في الملف الفلسطيني وتحصين شرعيتها العربية والإسلامية. منحت المبادرة شرعية لنشاط الأونروا وأحالت إلى “حق العودة”، وتُوّجت بمؤتمر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 أعلنت خلاله دول عدة اعترافها بالدولة الفلسطينية. وعلى الرغم من تحفظ واشنطن أولاً، فقد أُشير إلى المبادرة في إعلان نيويورك، وحتى ضمن خطة من 20 نقطة للرئيس الأمريكي آنذاك.

هذا التموضع ينسجم مع إعادة ضبط أوسع للسياسة الإقليمية السعودية: تسريع التقارب مع أنقرة والدوحة لأسباب براغماتية، وبحث عن ركائز أمنية واقتصادية وصناعية تخفف الاعتماد على الولايات المتحدة وتحد من تعاظم نفوذ إسرائيل، وتمنح الرياض مرونة استراتيجية في بيئة تنافسية متقلبة. تتداخل هنا عوامل إضافية تميل بالكفّة بعيداً عن التطبيع الآن: ضعف نسبي في إيران يقلل الحاجة إلى تقاطع سعودي إسرائيلي، وتحسن ملحوظ في علاقات الرياض بواشنطن بما يسمح بالسعي إلى “جزرات” أمريكية دون دفع ثمن سياسي على شكل اعتراف دبلوماسي بإسرائيل.

يعكس المسار الراهن أن السعودية ترى مخاطر أكبر من الجدوى في تطبيع بلا مسار واضح نحو دولة فلسطينية على حدود 1967. كما أن إسرائيل لا تبدي رغبة راهنة بدفع الثمن السياسي المطلوب. أي مراجعة سعودية لاحقة ستتوقف على تبدل جوهري في الظروف، مثل تغير سياسي في إسرائيل، ومآلات علاقة الرياض بواشنطن، واتجاهات ميزان القوى الإقليمي، ومقدار الشرعية الداخلية التي سيحتاجها ولي العهد في طريقه إلى العرش.