تقاطعت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل مع تسريبات عن حزمة دفاعية غير مسبوقة تصل قيمتها إلى نحو 8.6 إلى 10 مليارات دولار، تتضمن نقل تكنولوجيا منظومتي «القبة الحديدية» و«شعاع الحديد» إلى الهند، مع إنتاج مشترك وتصنيع محلي ودمج كامل في شبكة الدفاع الجوي الهندية متعددة الطبقات، في إطار مشروع لبناء درع وطني متكامل ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة. تقارير إعلامية هندية وإسرائيلية وصفت الترتيب المرتقب بأنه يتجاوز صفقة شراء تقليدية، ليصبح جزءاً بنيوياً من الشراكة الاستراتيجية بين نيودلهي وتل أبيب في مجالي الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة.
المكون اللافت في هذه الحزمة يتمثل في «شعاع الحديد»، وهو سلاح ليزري عالي الطاقة بقدرة تقارب 100 كيلوواط، صُمّم لاعتراض الطائرات المسيّرة والقذائف الصاروخية والهاونات ضمن مدى قصير، بكلفة تشغيلية تُقدَّر بنحو دولارين لكل عملية اشتباك، مقابل عشرات آلاف الدولارات لكل صاروخ اعتراضي من منظومات مثل «القبة الحديدية». هذا الفارق في الكلفة يُقدَّم في الخطاب العسكري الإسرائيلي والهندي بوصفه عاملاً قد يعيد صياغة معادلة «حرب الاستنزاف» في مواجهة تهديدات رخيصة ومنتشرة كالدرونات والصواريخ القصيرة المدى، عبر إضعاف أثر التفوق العددي على مستوى الذخائر الهجومية منخفضة الثمن. في خلفية هذه الوعود التقنية، تشير تحليلات متخصصة إلى أن تعقيدات التمويل والمشاركة الصناعية والتشريعات الأمريكية المرتبطة بتطوير هذه المنظومات تجعل من أي «نقل كامل للتكنولوجيا» عملية أكثر تعقيداً مما توحي به بعض التغطيات الإعلامية، حتى وإن جرى تغليف التفاهم بصيغة «نقل تكنولوجيا» واسعة النطاق ومكوَّنة من مراحل.
مصادر هندية وإسرائيلية متطابقة تقريباً تؤكد أن العرض المطروح للهند يتجاوز نموذج البيع الجاهز الذي طُبّق مع شركاء آخرين، عبر تمكين الإنتاج المحلي المشترك، وربط المنظومات الإسرائيلية بمشاريع هندية قيد التطوير لبناء شبكة دفاع جوي متدرجة تشمل أنظمة بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى. هذا الربط التقني يعني عملياً إنشاء تبعية متبادلة طويلة الأجل على مستوى الصيانة والتحديثات البرمجية وقواعد بيانات التهديدات وتقاطع سلاسل الإمداد الدفاعية، وهو ما يصفه عدد من المحللين بأنه «مأسسة» للتحالف الأمني بين الطرفين أكثر من كونه توسيعاً تجارياً لسوق السلاح.
في السياق السياسي الأوسع، جاءت زيارة مودي بعد أيام من إعلان بنيامين نتنياهو عن رؤية لـ«سداسي من التحالفات» يضم الهند إلى جانب دول عربية وإفريقية ودول متوسطية مثل اليونان وقبرص، إضافة إلى دول آسيوية أخرى لم يُسمِّها، بغية تشكيل إطار إقليمي في مواجهة ما وصفه بـ«محاور راديكالية» شيعية وسنية. هذا التصور، الذي يربط الهند مباشرة بترتيبات أمنية تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج والمحيط الهندي، أعطى بعداً استراتيجياً للصفقات الدفاعية، بحيث تُقرأ كجزء من محاولة إسرائيلية لإعادة رسم شبكة الاصطفافات الإقليمية عبر إدماج قوة آسيوية كبرى في بنية الأمن الإقليمي، وليس فقط كزبون رئيسي للتكنولوجيا العسكرية.
خلال كلمته أمام الكنيست وتصريحاته العلنية، ركّز مودي على أهمية شراكة دفاعية «بين شريكين موثوقين» في عالم يتجه إلى مزيد من الاضطراب، بينما أظهرت التغطيات الإسرائيلية أن تل أبيب تنظر إلى الهند بوصفها شريكاً محورياً لتخفيف آثار العزلة الدولية المتزايدة والضغط السياسي المرتبط بسياستها تجاه إيران والجبهات المحيطة. بالتوازي، تتابعت مؤشرات تصعيد إقليمي، من توتر متزايد بين إسرائيل وإيران، إلى تقارير عن مساعٍ لبناء ترتيبات دفاعية جديدة تضم باكستان والسعودية وتركيا، ما يعزز قراءة توقيت الزيارة والاتفاقات الدفاعية كجزء من سباق موازٍ لإعادة تشكيل التحالفات قبل أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
من زاوية هندية، تُقدّم الصفقة على أنها خطوة لترسيخ «الاستقلال الاستراتيجي» عبر تنويع مصادر السلاح وتعزيز القدرات الدفاعية المحلية، لكنها في الوقت ذاته تعمّق الاندماج مع منظومة تكنولوجية مرتبطة بشبكات تمويل وتشريع غربية، ومع دولة منخرطة في صراعات حادة مع إيران وأطراف إقليمية أخرى. هذه المفارقة تجعل الهند أقرب إلى شريك مهيكل في منظومة أمنية تمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، مع ما يحمله ذلك من حسابات حساسة في علاقاتها مع طهران والعواصم العربية والإسلامية، خصوصاً في ضوء استمرار حساسيات داخلية مرتبطة بالمسألة الفلسطينية وبتوازنات الهوية الدينية في الداخل الهندي.
أما على مستوى إسرائيل، فيبدو أن الرهان يتجاوز مكاسب التصدير الدفاعي إلى تثبيت شبكة من الشركاء الكبار قبل أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران أو وكلائها، بحيث تصبح الاتفاقات الموقعة مع قوى صاعدة مثل الهند جزءاً من رصيد دبلوماسي يصعب التنصل منه لاحقاً. في هذا الإطار، تُقرأ الاستعجال في توقيع مذكرات التفاهم الدفاعية وإلقاء الخطابات أمام الكنيست قبل أي تطور ميداني كبير بوصفه محاولة لإقفال دائرة الاصطفافات مبكراً، كي يتحول أي انتقاد لاحق من الشركاء إلى تناقض مع التزامات سبق الإعلان عنها في العلن.
بهذا المعنى، تبدو زيارة مودي، كما تُصوِّرها المصادر المتاحة، أقل ارتباطاً باعتبارات بروتوكولية أو اقتصادية ضيقة، وأكثر اتصالاً بمسعى متبادل: إسرائيل تسعى إلى تثبيت مكانها داخل تحالفات أوسع في مواجهة محاور خصومها، والهند تستثمر في نفوذها كقوة كبرى عبر الدخول بعمق في هندسة أمنية إقليمية تعتمد على تفوق تكنولوجي في الدفاع الجوي والحرب ضد الطائرات المسيّرة. وسط هذا التشابك، يظل حجم ومدى «نقل التكنولوجيا» الفعلي، وحدود انعكاس هذه الترتيبات على تموضع نيودلهي في التوازنات مع إيران والعالم العربي، من الأسئلة المفتوحة التي ستظل رهن التطورات الميدانية والقراءات المتغيرة لمعادلة الكلفة والعائد في السنوات المقبلة.