يُشار في الأوساط الدبلوماسية الإسرائيلية إلى أنّ زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل هذه الأيام تُعامل من حيث الوزن السياسي بما يوازي زيارة رئيس الولايات المتحدة، في إشارة إلى التحوّل المتدرّج في خريطة القوى الدولية وصعود نيودلهي كلاعب محوري في الشرق الأوسط الأوسع. ويُربط هذا التقدير بموقع الهند الاقتصادي والصناعي، وبطبيعة الشراكة الأمنية والتكنولوجية المتنامية بين الجانبين، وبانعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية مع تركيا ودول الخليج وإيران.
تُقدَّم الهند في الخطاب الإسرائيلي الجديد باعتبارها قوة صناعية كبرى قادرة على تعويض محدودية البنية الإنتاجية داخل إسرائيل، في مقابل التفوق الصناعي التركي الذي يواكب سباق التسلح بين أنقرة وتل أبيب. ويُنظر إلى الفجوة بين التفوق التكنولوجي الإسرائيلي من جهة، وقوة القاعدة الصناعية في دول أخرى من جهة ثانية، كعامل رئيسي يدفع تل أبيب إلى توثيق التعاون مع نيودلهي في مجالات التصنيع العسكري المشترك، وسلاسل التوريد، والعمل والمهارات الفنية، إضافة إلى التعاون في الفضاء والاتصالات وإنشاء خطوط إنتاج في الهند لخدمة احتياجات الجيش الإسرائيلي وأسواق ثالثة في آن واحد. ويُقدَّر في هذا السياق أن تمثل الشراكة مع الهند رافعة لتوسيع الطاقة الصناعية الإسرائيلية بما يتجاوز ما يمكن أن توفره العلاقة القائمة مع تركيا.
على المستوى الاقتصادي الأشمل، تُوصف الهند بأنها في طريقها إلى التحول إلى واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية من حيث الحجم، إذ تُصنَّف حالياً ضمن الاقتصادات الأولى عالمياً من حيث الناتج، مع نمو سكاني واقتصادي يضيف سنوياً ملايين الأفراد إلى الطبقة الوسطى. هذا الاتساع في الطلب الداخلي، مقترناً بالتحديات البنيوية التي تواجهها الهند في مجالات الطاقة والمياه والبيئة، يفتح أمام إسرائيل مساحات تعاون يتقدمها نقل التكنولوجيا الخضراء، وأنظمة إدارة المياه، وحلول الطاقة المتجددة والبنى التحتية الرقمية، وهي مجالات تعدّها تل أبيب جزءاً من ميزتها النسبية ضمن اقتصاد المعرفة. ويأمل الطرفان أن يترجم هذا التقارب في صورة اتفاقات جديدة في التجارة الحرة والاستثمار، إضافة إلى ربط أوثق بين شركات التكنولوجيا الهندية والإسرائيلية
يتقاطع هذا البعد الاقتصادي مع مسار أوسع يُعاد فيه رسم خرائط الممرات التجارية بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، سواء في إطار مشروع “الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا” أو من خلال مبادرات ثنائية وإقليمية أخرى تشمل الإمارات والسعودية وإسرائيل واليونان وقبرص. وفي هذا التصور، تُدرج إسرائيل كنقطة وصل برية وبحرية في شبكة تربط الموانئ الخليجية بالموانئ المتوسطية ثم أوروبا، بما يختزل الكلفة والزمن مقارنة بالمسارات التقليدية عبر قناة السويس أو الطرق البحرية الأطول. وتُقرأ الإشارات العلنية الهندية إلى “الصداقة” مع إسرائيل على أنّها تحمل في طياتها رسالة غير مباشرة إلى أنقرة والرياض والدوحة، مفادها أن نيودلهي ترى في المجال الجغرافي الممتد عبر إسرائيل ركيزة محتملة لممر تجاري استراتيجي نحو أوروبا.
في المقابل، تُدرج أنقرة هذه التحولات ضمن سياق تنافسي أوسع مع الهند في الصناعة والسوق الدفاعية، ما يجعل أي محور صناعي أو أمني هندي–إسرائيلي بمثابة نكسة إضافية لمشاريع تركيا الإقليمية، خاصة في ظل التنافس على العقود الدفاعية والبنى التحتية في آسيا والشرق الأوسط. كما يُنظر في الأوساط البحثية الإسرائيلية إلى تعاظم الصلة مع الهند، وإلى توثيق العلاقات مع الإمارات واليونان وقبرص وبعض الأطراف في القرن الإفريقي، بوصفه محاولة لبناء قوس من الشراكات يمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، يقوم على التحكم بشبكات الربط والطاقة والتجارة أكثر مما يقوم على الأحلاف العسكرية التقليدية.
يأتي هذا المسار في لحظة يُسجَّل فيها تراجع نسبي للقدرة الإيرانية على التأثير الاقتصادي، بالتوازي مع صعود محور إسلامي متماسك نسبياً يضم تركيا والسعودية وقطر، تتقاطع مصالحه أحياناً وتتنافس أطرافه في أحيان أخرى. وفي القراءة الإسرائيلية، تشكل الهند إضافة نوعية إلى شبكة من الشركاء الإقليميين القادرين على موازنة نفوذ هذا المحور، من خلال ما تقدمه من ثقل سكاني وصناعي ومالي، إلى جانب ما توفره إسرائيل من تكنولوجيا عسكرية ومالية متطورة. ويُشار في أوراق بحثية إسرائيلية حديثة إلى أن الجيش الإسرائيلي والقطاع المالي في البلاد باتا يُقدَّمان كنموذجَي استقرار وفعالية في زمن التنافس بين القوى الكبرى، ما يتيح لتل أبيب أن تعرض نفسها شريكاً ذا موثوقية في إعادة تشكيل البنى الاقتصادية والأمنية العابرة للأقاليم.
تُوضع هذه التطورات أيضاً في إطار أوسع يتصل بالثورة الصناعية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ إذ يُنظر إلى إسرائيل والهند معاً كطرفين يمتلكان عناصر مكملة: كثافة ابتكار وتفوق تقني من جهة إسرائيل، وقاعدة بشرية وتعليمية ضخمة وقدرة على التصنيع واسع النطاق من جهة الهند. ومع اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي في الميادين المدنية والعسكرية، تُطرح فكرة تعميق الشراكة الثلاثية بين الهند وإسرائيل والولايات المتحدة، وربما أطراف أوروبية، لبناء منظومات إنتاج وتطوير مشتركة في هذا المجال، باعتبار أن من يملك القدرة على دمج التكنولوجيا المتقدمة بالتصنيع الصناعي الواسع هو الأقدر على التأثير في “النظام العالمي الجديد” قيد التشكل.