تلتقط هذه التصريحات الحادة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان روح مرحلة دولية تتجه فيها موازين القوة نحو منطق أكثر صراحة ووقاحة في الحديث عن «تقاسم الكعكة» بدل الاكتفاء بلغة التعاون المتعدد الأطراف. حين يقول إن العالم يعيش «منافسة جديدة على السيطرة وتقاسم الكعكة» تُحكمها معركة الطاقة والسيطرة على طرق التجارة، فإنه يقدّم سردية ترى أن موقع كل دولة في النظام العالمي لا تحدده القيم أو الخطابات، بل مقدار ما تملكه من قوة صلبة: نفوذ عسكري، أوراق طاقة، وموقع جغرافي على الممرات الحيوية.
المفارقة أن هذا التشخيص يأتي في سياق عمليات أمريكية خارجية مثل التدخل في فنزويلا، والتلميح إلى أطماع استراتيجية في مناطق كغرينلاند، ما يعزز فكرة أن القوى الكبرى تعود إلى منطق «المجالات الحيوية» وتوسيع مناطق النفوذ تحت غطاء متنوع من المبررات. في هذه الخلفية، تصبح جملة أردوغان: «من لا يكون على الطاولة، يجد نفسه في قائمة الطعام» تلخيصاً مكثفاً لعقلية براغماتية تعتبر أن البقاء خارج دوائر التفاوض الكبرى يحوّل الدول إلى موضوع للسياسات لا طرفاً فيها، وإلى ساحات لتمرير خطوط الأنابيب والقواعد العسكرية بدل أن تكون شريكاً في رسم مساراتها.
هذه اللغة تعكس أيضاً طموح تركيا إلى أن تكون «على الطاولة» في كل الملفات الساخنة: من الطاقة في شرق المتوسط والبحر الأسود، إلى الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا، مروراً بالتحولات في الشرق الأوسط والقوقاز. فإبراز «قساوة» لعبة تقسيم الكعكة ليس مجرد تشخيص، بل هو تبرير ضمني لسياسة خارجية هجومية نسبياً، تعتبر أن من حق أنقرة أن تناور عسكرياً ودبلوماسياً كي لا تتحول هي نفسها إلى «طبق» يتقاسمه الآخرون. في الوقت ذاته، تحمل هذه الخطابات رسالة تحذير للداخل التركي وللعالم العربي: النظام الدولي يتجه إلى طور أقل تجميلاً وأكثر عرياً، حيث لا تعود المؤسسات التقليدية قادرة على كبح شهية الكبار، ومن ثمّ يصبح ثمن الغياب عن الطاولة أعلى بكثير من ثمن المخاطرة بمحاولة الجلوس إليها.

