كيف نأكل بثقة وسط فوضى معلومات الغذاء؟

أضيف بتاريخ 01/20/2026
منصة المَقالاتيّ

يتضاعف القلق حول التغذية مع تراكم الأخبار عن الملوثات الأبدية PFAS، الزئبق، المعادن الثقيلة، والمواد الحافظة والنيتريت في الأطعمة المصنّعة. هذا القلق مشروع، لكنه لا يساعد وحده على اتخاذ قرارات يومية سليمة. 



من منظور الصحة العامة : الإكثار من الفواكه والخضروات والمنتجات الكاملة، الحد من الأطعمة فائقة المعالجة الغنية بالسكر والملح والدهون، واعتماد الاعتدال. توصيات كهذه لا تُترجم تلقائياً إلى أفعال لأن بيئة العرض اليوم مختلفة جذرياً: آلاف المنتجات في المتاجر، تسويق مكثّف، وتفاوت اجتماعي يجعل السعر معياراً حاسماً لدى فئات واسعة. هنا يظهر دور أدوات مبسطة مثل Nutri-Score التي تساعد على المقارنة داخل الفئة الواحدة وتدفع المصنعين لتحسين التركيبات الغذائية، مع الإقرار بحدودها حين تُقيّم المنتج منعزلاً عن وجبة كاملة أو حين يسهل التحايل عليها في المختبرات.

الدراسات الحديثة التي تربط التعرض المرتفع للمواد الحافظة بمخاطر السرطان والسكري من النوع الثاني تعزّز الدعوة لتقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة، لكنها لا تعني القطيعة الفورية. العلم يبني إجماعَه بالتراكم والاتساق عبر فرق بحثية متعددة، والمعيار العملي يبقى تقليل الجرعات وتفضيل التصنيع البسيط والطبخ المنزلي كلما أمكن. هذا الاختيار يخفض القلق ويعيد للمستهلك سلطة انتقاء المكونات والتحكم في الميزانية، خاصة إذا ترافق مع إعادة توزيع الإنفاق: تقليل اللحوم والكحول مثلاً يحرّر موارد لمنتجات أعلى جودة وأكثر استدامة.

يتقاطع الغذاء اليوم مع ثلاثة محاور: الصحة، البيئة، والعدالة الاجتماعية. المنتج "الجيد" لا يُقاس بمذاقه وحده، بل بأثره الاجتماعي في rémunération المنتجين، وأثره البيئي في التحوّل الزراعي، وقيمته الغذائية المثبتة. لهذا تتجه المطابخ المهنية نحو قوائم أقصر وموسمية ومصنوعة منزلياً، وتتحسس الأجيال الجديدة من الطهاة لهذه الأبعاد. في المقابل، يتطلّب مشهد السلمون مثالاً على تعقيد الاختيار: تراجع الصفات الغذائية في بعض أنماط التربية، مخاطر بقايا الملوثات، وتفاوت كبير في الجودة بين المزارع والعلامات. الحل ليس شيطنة نوع بعينه، بل قياس الجودة، قراءة الدراسات، والابتعاد عن الاستهلاك القطيعي الذي تصنعه الموضات.

فوضى المعلومات ليست كلها سيئة؛ هي علامة على اهتمام حقيقي بالغذاء. لكنها تتطلب أدوات فرز بسيطة، وقتاً للتخطيط، ومهارات طبخ أساسية تُكتسب في سن مبكرة حتى نربّي "آكلين" لا مجرد "مستهلكين". بين "خمس حصص من الفواكه والخضروات يومياً" كقاعدة يسهل تذكّرها، وضرورة الإجابة العملية عن "أي فاكهة؟ أي خضار؟ وكيف؟"، يبقى الهدف هو بناء عادات قابلة للاستمرار، ممتعة، ومتوازنة، تُراعي الصحة والمتعة معاً، وتُخفّف كلفة المرض التي ترتفع باطراد على المنظومات الصحية والأفراد.

 

المصدر: نقاش إذاعي على France Culture ضمن برنامج "Question du soir" حول الغذاء والسياسات العامة والسلوك الغذائي.