«مجلس السلام» لترامب: مشروع موازٍ للأمم المتحدة أم أداة نفوذ أمريكي جديد ؟

أضيف بتاريخ 01/23/2026
منصة المَقالاتيّ

قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما سمّاه «مجلس السلام» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، باعتباره إطاراً دولياً جديداً يهدف إلى حل النزاعات في العالم، في صيغة تُطرح عملياً كبديل منافس لمنظمة الأمم المتحدة، وإن كان الخطاب الرسمي يصرّ على فكرة «التكامل» معها أكثر من الاستبدال المباشر .



تشير معلومات متطابقة إلى أن ترامب وقّع في دافوس على الميثاق المؤسس لـ«مجلس السلام» (أو «مجلس/هيئة السلام» كما ترد التسمية بالإنجليزية)، بعد توجيه دعوات إلى عشرات الدول للانضمام، مع إعلان أن الهدف الأولي هو الإشراف على إعادة إعمار غزة وضمان استدامة وقف إطلاق النار، قبل توسيع نطاق عمل المجلس إلى نزاعات دولية أخرى .

الميثاق المسرب أو الموصوف في بعض التسريبات ينص على أن عضوية المجلس تُمنح لثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع إمكانية الحصول على «مقعد دائم» للدول التي تدفع مساهمة مالية استثنائية بقيمة مليار دولار خلال السنة الأولى، وهي صيغة تثير تساؤلات عن ربط المكانة السياسية بالمقدرة المالية، رغم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن هذه المساهمات «تطوعية» وليست رسماً إلزامياً. كما تنص الوثائق على أن قرارات المجلس تُتخذ بالأغلبية، لكن مع اشتراط موافقة الرئيس/رئيس المجلس، ما يكرّس عملياً مركزية موقع ترامب داخل الآلية الجديدة ويمنحه حق «فيتو» فعلياً على قرارات الأعضاء .

من حيث الهيكلة، يُفترض أن يرأس ترامب «مجلس السلام» بنفسه، مع إمكانية أن يبقى في هذا المنصب إلى أجل غير مسمى طالما لم يقدّم استقالته، بينما يمكن لرئيس أمريكي لاحق – في حال تغيّر الإدارة – أن يعيّن ممثلاً للولايات المتحدة لتولي مقعد الرئاسة أو التمثيل في المجلس. وتشير التقارير إلى تشكيل «مجلس تنفيذي مؤسِّس» يضم شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، من بينها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس وزراء بريطاني سابق مثل توني بلير، إلى جانب رجال أعمال كبار ومستشارين مقربين من الرئيس .

على مستوى التجاوب الدولي، تفيد المعطيات المنشورة بأن دولاً من الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى أبدت استعدادها للانضمام، مثل إسرائيل والإمارات وقطر والأردن وتركيا ومصر وأذربيجان والمجر وبيلاروسيا وغيرها، مع حديث عن دعوة موجهة إلى روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، الذي قيل إنه يدرس المشاركة وربما المساهمة مالياً بـمليار دولار لدعم إعادة إعمار غزة. في المقابل، يعكس الحذر الأوروبي والغربي الأوسع مخاوف من تكريس إطار موازٍ يضعف شرعية الأمم المتحدة ويمنح واشنطن – وتحديداً ترامب – أداة جديدة لإدارة ملفات النزاع وفق أولوياتها الخاصة .

يرتبط مفهوم «مجلس السلام» أيضاً بمبادرات أخرى منسوبة لإدارة ترامب، بينها خطط سلام تخص غزة وأوكرانيا، حيث طُرح في مسودات سابقة إنشاء مجلس سلام تحت إشراف الرئيس الأمريكي نفسه لتطبيق ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد، وهو ما يكرس نمطاً من «الوساطة الحصرية» التي تتجاوز الأطر متعددة الأطراف التقليدية. كما تعكس العروض المصاحبة للمشروع – مثل التصورات التي قدّمها جاريد كوشنر لإعادة إعمار غزة عبر مشاريع استثمارية ضخمة ومشاهد لواجهة بحرية حديثة وأبراج ومطار وميناء – رؤية تقوم على ربط «السلام» بمشاريع اقتصادية كبرى تُدار إلى حد كبير بتمويل وقيادة حلفاء واشنطن .

في ضوء هذه العناصر، تُقدّم مبادرة «مجلس السلام» في الخطاب الرسمي كإطار مبتكر لـ«إعادة اختراع الدبلوماسية متعددة الأطراف»، لكنها تُقرأ لدى جزء واسع من المحللين والحلفاء التقليديين للولايات المتحدة كمحاولة لإعادة تشكيل هندسة النظام الدولي عبر خلق مؤسسة موازية للأمم المتحدة، تكون خاضعة بدرجة عالية لإرادة الإدارة الأمريكية الحالية وشبكة محددة من الحلفاء والشركاء الاقتصاديين. هذا التوتر بين الخطاب المعلن حول «السلام» والوظيفة السياسية الفعلية للمجلس سيكون على الأرجح محوراً مركزياً في النقاش الدولي خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اتساع عدد الملفات التي قد يسعى ترامب إلى نقلها من قنوات الأمم المتحدة إلى هذا الإطار الجديد .