اغتيال العقول النووية الإيرانية: كواليس حرب الظل بين إسرائيل وطهران

أضيف بتاريخ 12/19/2025
منصة المَقالاتيّ

كشف تحقيق صحفي مشترك بين صحيفة أمريكية كبرى وبرنامج تلفزيوني استقصائي عن ملامح غير مسبوقة من الحرب السرية الدائرة بين إسرائيل وإيران، مركِّزًا على البعد الخفي للصراع: العلماء الذين يقفون وراء المشروع النووي الإيراني. يظهر من خلال ما نُقل عن مسؤولين استخباراتيين ومن وثائق وشهادات، أن تل أبيب أعادت تعريف هدفها في مواجهة طهران، فلم تعد البنية التحتية النووية وحدها هي الهدف، بل العقول التي تديرها وتطوّرها. 



وفق هذا التصور، عملت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وعلى رأسها جهاز الموساد، على بناء ملفات تفصيلية حول العلماء الإيرانيين المرتبطين بالبرنامج النووي منذ سنوات طويلة، شملت حياتهم اليومية ومساراتهم المهنية وتحركاتهم وعائلاتهم وأماكن إقامتهم. ومع مرور الوقت، جرى تقليص قوائم طويلة إلى دائرة ضيقة من الأسماء التي صُنفت باعتبارها “العقل العلمي” للمشروع، لتتحول من مجرد أهداف محتملة إلى عناصر حاسمة في أي خطة ترمي إلى إلحاق أذى مستدام بالقدرات النووية الإيرانية.  

التسريبات الواردة في التحقيق تشير إلى أن الاستعدادات الإسرائيلية لم تقتصر على التحليل عن بُعد أو الاعتماد على الأقمار الصناعية ووسائل التنصت، بل امتدت إلى بناء شبكة من العملاء والمتعاونين داخل الأراضي الإيرانية، أو قريبًا منها، جرى توظيفها في جمع المعلومات الميدانية، وتهريب معدات خاصة، وتخزين أسلحة مصممة لعمليات نوعية. وتشير الروايات المتقاطعة إلى أن هذه الشبكات كانت جاهزة للتفعيل في اللحظات الأولى لاندلاع المواجهة، بحيث تعمل قبل وصول الطائرات، وتضرب في عمق طهران ومدن أخرى، مستهدِفةً العلماء في منازلهم أو على طرق تنقلهم اليومية.  

في هذا السياق، برز اسم عملية سرية حملت تسمية مشفرة، وُصفت في المواد الاستقصائية بأنها الإطار العملياتي الذي نُفّذت ضمنه الضربات الأولى ضد العلماء النوويين الإيرانيين. الهجمات الافتتاحية، بحسب تلك الروايات، لم تكن مجرد جزء جانبي من الحرب، بل كانت في قلب الاستراتيجية الإسرائيلية التي سعت إلى “قتل الدماغ” قبل الدخول في مواجهة طويلة مع المنشآت. وهكذا تحوّل عدد من العلماء البارزين إلى أهداف مباشرة في الأيام الأولى للهجوم، في عمليات متزامنة استخدمت فيها أسلحة خاصة وعبوات متطورة وسيارات مفخخة وتقنيات تفجير عن بعد، مع حرص واضح على مفاجأة الأجهزة الأمنية الإيرانية وإرباكها.  

التحقيقات الاستقصائية تربط بين هذا المسار العملياتي والحسابات السياسية في تل أبيب وواشنطن على حد سواء. فقبل اندلاع المواجهة، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الإدارة الأمريكية سلسلة سيناريوهات متدرجة للهجوم على إيران، تراوحت بين عمل إسرائيلي منفرد بدعم محدود، وعمليات مشتركة، وصولًا إلى خيار تتولى فيه الولايات المتحدة قيادة الضربات الجوية بشكل مباشر. في العلن، كانت واشنطن تتحدث عن ضرورة إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا مع طهران، عبر إشارات إلى إمكانية تخفيف العقوبات إذا التزمت إيران بضوابط صارمة على برنامجها النووي وخفّضت دعمها للوكلاء الإقليميين. في المقابل، كان يجري خلف الكواليس تنسيق استخباراتي ولوجستي مكثف مع إسرائيل، مع تسريب أخبار عن خلافات أو تباينات بين الطرفين، لتغذية صورة إعلامية تخدم عمليات الخداع وإخفاء النية الحقيقية بالتصعيد.  

مع انطلاق الضربات الإسرائيلية ضد أهداف داخل إيران، تحركت الإدارة الأمريكية على مسار موازٍ، فعُرض على طهران مسار لتخفيف العقوبات مقابل خطوات جوهرية في الملف النووي والإقليمي. رفضت القيادة الإيرانية هذه العروض، لتنتقل واشنطن بعدها إلى خيار الضربات المباشرة ضد مواقع نووية حساسة، من بينها منشآت تخصيب تحت الأرض ومراكز أبحاث وتقنيات مرتبطة بسلسلة الوقود النووي. بهذا التتابع، بدا أن استهداف العلماء من جانب إسرائيل، والضربات الأمريكية على المنشآت من جانب آخر، شكّلا حلقتين متكاملتين في محاولة توجيه ضربة قاصمة للبرنامج: الأولى تطاول العقول والخبرة المتراكمة، والثانية تستهدف البنية والتجهيزات.  

لكن الصورة ليست أحادية من زاوية إيرانية. طهران بدورها قدّمت هذه الهجمات بوصفها اعتداءً مباشرًا على سيادتها وحقها في تطوير قدرات نووية لأغراض تُصر على أنها سلمية، واعتبرت اغتيال العلماء عملًا إرهابيًا ترعاه دول، يستهدف المجتمع العلمي الإيراني بأسره ورسالة ترهيب للباحثين الشباب. كما حرص الخطاب الإيراني على التأكيد أن خسارة الأفراد، مهما كانوا بارزين، لن توقف المشروع، وأن المعرفة انتقلت إلى أجيال جديدة، في محاولة لكسر الرسالة الإسرائيلية التي تراهن على أن القضاء على النخبة العلمية سيترك أثرًا طويل الأمد يصعب تعويضه.  

من الناحية الاستراتيجية، تفتح هذه الوقائع بابًا واسعًا للنقاش حول تحوّل الحروب الحديثة نحو استهداف الأدمغة بدل الاقتصار على الجبهات التقليدية. فبدل قصف خطوط الإنتاج وحدها، يجري اليوم استهداف من يصمم ويطوّر ويخطط، ما يثير أسئلة قانونية وأخلاقية معقدة: هل يُعد العالم النووي هدفًا عسكريًا مشروعًا إن كان يعمل في إطار برنامج تعتبره دول أخرى تهديدًا وجوديًا؟ أم أن تصفيته تمثل عبورًا لخطوط حمراء في القانون الدولي الإنساني الذي يسعى لحماية المدنيين حتى لو كانوا جزءًا من منظومات استراتيجية؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابة حاسمة، بينما تستمر الدول في الدفع بعمليات “حرب الظل” لتجاوز كلفة المواجهة الشاملة.  

بالنسبة لإسرائيل، تبدو هذه السياسة امتدادًا لعقيدتها الأمنية التي تعطي أولوية قصوى لمنع الخصوم الإقليميين، وعلى رأسهم إيران، من امتلاك قدرات نووية ذات بعد عسكري. أما من منظور النظام الإيراني، فهذه الهجمات تؤكد قناعته بأن الملف النووي لا يمكن التفاوض عليه بسهولة، لأنه يتعلق بميزان الردع وبمكانة إيران الإقليمية والدولية. وبين هذين المنظورين، تستمر حرب طويلة الأمد، لا تُقاس بخطوط الجبهة التقليدية، بل بأسماء العلماء الذين يغيبون عن المشهد، والمنشآت التي تُضرب ثم تُعاد بناؤها، في دائرة مغلقة من التصعيد والردع والحسابات الباردة.