يتصاعد التنافس الإستراتيجي بين تركيا وإسرائيل في السنوات الأخيرة ضمن سياق إقليمي شديد السيولة، تتداخل فيه ملفات الطاقة والغاز، الممرات البحرية والبرية، التموضع داخل حلف الناتو، وحروب الوكالة في سوريا وغزة وشرق المتوسط. لا يتعلق الأمر بصراع عسكري مباشر بقدر ما هو «حرب مواقع» طويلة الأمد، يسعى فيها كل طرف إلى تطويق الآخر عبر تحالفات الطاقة، وصفقات السلاح، والشراكات الإقليمية، وإعادة رسم خرائط النفوذ من القوقاز إلى البحر الأسود والمتوسط.
من داخل هذا المشهد، يبرز تحليل إسرائيلي متشدد يرى أن إسرائيل نجحت خلال أسابيع في توجيه خمس ضربات إستراتيجية متتالية لتركيا: تعميق مأزق أنقرة في سوريا، تعزيز محور الغاز مع مصر، توسيع الشراكات مع اليونان وقبرص، تطوير التعاون مع أذربيجان، وتوقيع صفقة الدفاع الجوي Arrow-3 مع ألمانيا. هذه الرؤية تقدّم إسرائيل كقوة تصعد بثبات، وتنسج «طوقًا» حول تركيا من الجنوب عبر سوريا، ومن الغرب عبر محور اليونان–قبرص–مصر، ومن الشمال الشرقي عبر أذربيجان، ومن الفضاء الأوروبي–الأطلسي عبر برلين وبروكسل. في هذا الخطاب، يبدو ما يجري تجسيدًا لفكرة «النصر عبر الشبكات»: الهيمنة لا تُقاس بعدد الدبابات، بل بقدرة الدولة على احتلال مفاصل الطاقة والبحر والصناعة الدفاعية والممرات التجارية، وفرض نفسها شريكًا لا غنى عنه للقوى الكبرى.
في سوريا، تُصوِّر هذه المقاربة المشروع التركي هناك كحلم إقليمي متعثر للرئيس رجب طيب أردوغان، بعد أن اصطدم بتوازنات دولية وإقليمية معقدة، من روسيا إلى إيران والولايات المتحدة. هشاشة المشهد السوري، واستمرار الفاعلية الكردية المسلحة، ووجود مكونات محلية يمكن استثمارها، كلها تُقدَّم كفرص لإسرائيل من أجل تقويض الطموح التركي ومنع أنقرة من ترجمة تدخلها العسكري إلى نفوذ مستقر. أما في شرق المتوسط، فيُعاد تأطير توسع الشراكات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص ومصر بوصفه مشروعًا متكاملًا لعزل تركيا عن معادلة الغاز الإقليمي، وتحويل إسرائيل إلى محور تصدير رئيسي نحو أوروبا بالتوازي أو بالتعاون مع القاهرة.
الضربة الرمزية الأخرى، في هذا السرد، تأتي من أوروبا. صفقة Arrow-3 مع ألمانيا، وهي أضخم صفقة دفاعية في تاريخ إسرائيل، تُقدَّم كاختراق استراتيجي للقلب الأوروبي يمنح تل أبيب نفوذًا داخل البنية الأمنية الغربية، ويزيد قدرتها على التأثير في النقاشات الدفاعية، وبالتالي محاصرة هوامش المناورة التركية داخل الناتو والاتحاد الأوروبي. يُضاف إلى ذلك التعاون العسكري–التقني مع أذربيجان، الذي يُستخدم في هذا الخطاب كرافعة مضادة لتركيا، انطلاقًا من موقع باكو الجيوسياسي في القوقاز وعلى حدود إيران، وما يتيحه من أوراق استخباراتية وعسكرية حساسة.
لكن قراءة نقدية أعمق تكشف أن هذه السردية، مهما كانت جذابة، انتقائية ومُبالِغة. فهي تعيد صياغة مسار امتد سنوات على شكل «ضربات خاطفة في أسبوعين»، وتتجاهل شبكة التوازنات التي تحد من قدرة أي طرف على فرض حصار مكتمل على الآخر. كثير من الملفات التي تُقدَّم كإنجازات مفاجئة – مثل محور الغاز مع مصر، التعاون مع اليونان وقبرص، العلاقات الدفاعية مع ألمانيا، والشراكة مع أذربيجان – هي عمليًا تراكمات بدأت قبل غزة بسنوات، وأعيدت قراءتها سياسيًا في ضوء تفجر الحرب وتأزم العلاقات مع أنقرة.
في سوريا مثلًا، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية تركية–إسرائيلية. الساحة السورية اليوم هي عقدة تلتقي فيها حسابات موسكو وطهران وواشنطن، إلى جانب الفاعلين المحليين، من النظام إلى قوى كردية وسنية وميليشيات عابرة للحدود. قدرة إسرائيل على الإضرار بالمصالح التركية موجودة لكنها ليست مطلقة، كما أن تركيا نفسها قادرة على توظيف وجودها العسكري في الشمال السوري، وعلاقاتها مع المعارضة وبعض الفصائل على الأرض، كورقة ضغط إقليمية متعددة الوجوه، وليس فقط في اتجاه تل أبيب.
أما أذربيجان، فهي المثال الأوضح على حدود هذا الخطاب. صحيح أن باكو طوّرت تعاونًا عسكريًا وتقنيًا كبيرًا مع إسرائيل، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح، لكن بنيتها الاستراتيجية الأعمق قائمة على تحالف مع أنقرة، تُرجِم في إعلان شوشا وخطة تعاون واسعة تشمل الطاقة والنقل والدفاع. باكو تحتاج إلى تركيا كمعبر حيوي نحو الأسواق العالمية ومصدر دعم عسكري وسياسي في القوقاز، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى إسرائيل كمورّد تكنولوجي وصديق نافذ في العواصم الغربية، ما يجعلها أقرب إلى لاعب يوازن بين الطرفين لا إلى «سلاح إسرائيلي موجّه ضد تركيا» كما يوحي الخطاب المتشدد.
حتى صفقة Arrow-3، التي بلا شك تعزز مكانة إسرائيل الدفاعية في أوروبا، تأتي في إطار أوسع عنوانه قلق برلين من الصواريخ الباليستية الروسية والسياق الجديد للأمن الأوروبي بعد حرب أوكرانيا. إسرائيل هنا ليست «قائدًا خفيًا للناتو»، بل شريك تكنولوجي يستفيد من لحظة تاريخية لإدخال منظوماته إلى العمق الأوروبي، مقابل أموال ونفوذ إضافي، دون أن يعني ذلك تحكمًا مباشرًا في موازين القوة داخل الحلف الذي تظل تركيا فيه لاعبًا لا يمكن تجاوزه بحكم موقعها الجغرافي وقدرتها على التعطيل.
في المقابل، تمتلك أنقرة بدورها حزمة أوراق قوة لا يُستهان بها. جغرافيًا، تشرف تركيا على بوابة البحر الأسود عبر المضائق، وتحتفظ بموقع محوري على طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك الممر الأوسط الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا. اقتصاديًا، تظل خطوط الغاز الأذري والروسي العابرة لتركيا عنصرًا مهمًا في حسابات الطاقة الأوروبية، حتى مع صعود الغاز الإسرائيلي–المصري، ما يمنح أنقرة قدرة على التأثير في النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي. سياسيًا وعسكريًا، تدير تركيا شبكة علاقات متشابكة: توتر مع بعض العواصم الغربية يقابله تنسيق مع روسيا في بعض الملفات، وتحالفات وثيقة مع قطر وعدد من القوى الإسلامية، وحضور عسكري في سوريا والعراق وليبيا والقوقاز يجعلها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه بسهولة.
هذا كله لا يلغي حقيقة أن العلاقة بين أنقرة وتل أبيب في أدنى مستوياتها منذ سنوات. حرب غزة فجّرت تناقضًا مكتومًا بين الطرفين، بعدما كانت هناك محاولة لإعادة التطبيع عبر تبادل السفراء وتوسيع التعاون الاقتصادي. تركيا قدّمت نفسها بحدة كمدافع عن غزة، وذهبت إلى إجراءات عملية مثل تقييد التجارة وإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية، بينما تنظر إسرائيل إلى أنقرة اليوم كخصم أيديولوجي وإقليمي يهدد مشاريعها في سوريا وشرق المتوسط، لا كشريك محتمل. في ظل هذا المناخ، تتحول كل صفقة سلاح وكل خط غاز وكل اتفاق بحري إلى «علامة في دفتر الصراع» بين الطرفين.
إعلاميًا وتحليليًا، تكمن قوة السردية الإسرائيلية المتشددة في بساطتها: خريطة حصار، ضربات متتالية، وصورة نصر استراتيجي يجري تثبيته عبر الطاقة والسلاح والتحالفات. لكن قوة التحليل الصحفي اليوم تكمن في مقاومة هذا الإغراء، وفي التعامل مع هذه السردية كجزء من خطاب القوة وليس كمرآة دقيقة لميزان القوى. القراءة الأعمق تضع هذا الخطاب إلى جانب معطيات ميدانية وزمنية: مشاريع الغاز التي طال أمدها وتعثر بعضها، التنافس المعقد في سوريا، طبيعة الشراكات الأوروبية، والتحالف البنيوي بين أنقرة وباكو، لتخرج بصورة أكثر توازنًا: ليست إسرائيل في موقع «المنتصر الحاسم»، ولا تركيا ضحية حصار مكتمل، بل نحن أمام تنافس إستراتيجي طويل الأمد تحاول فيه تل أبيب وأنقرة انتزاع أكبر قدر ممكن من النفوذ في فضاء واحد متشابك، من دون قدرة أي منهما – حتى الآن – على إقصاء الآخر من المشهد.


