في إسبانيا، لم تعد مواسم جني العنب والزيتون والفاكهة والخضروات مجرد حدث فلاحي، بل تحولت إلى مرآة حادة لسياسات الهجرة وسوق العمل. تعتمد الزراعة الإسبانية منذ سنوات على عشرات الآلاف من العمال الموسميين من أصول مهاجرة، لكن إدخال عقود جديدة مدتها أربعة أشهر لعمال أجانب يُستقدَمون مباشرة من بلدانهم ثم يُعادون إليها بعد انتهاء الموسم، جاء ليقلب المعادلة ويؤجّج شعورًا بالهشاشة واللاعدالة لدى المهاجرين المقيمين أصلًا في البلاد.
في حقول منطقة ييذا (Lleida) في كتالونيا، تغيّر وجه اليد العاملة: فبعد أن كان المزارعون يعتمدون أساسًا على العمال القادمين من إفريقيا، باتوا اليوم يوقّعون عقودًا مع عمال من كولومبيا يتم انتقاؤهم في بلدهم، يُنقلون إلى إسبانيا لبضعة أشهر ثم يعودون أدراجهم. أحد هؤلاء الشباب الكولومبيين، في منتصف العشرينات من عمره، يصف التجربة بأنها رابحة للطرفين: يعمل لبضعة أشهر في إسبانيا، ثم يعود إلى بلده وقد جمع مبلغًا يسمح له بتحقيق بعض أحلامه والاستثمار هناك، مستفيدًا من فارق العملة الذي يجعل أجر موسم واحد يعادل ما قد يجنيه في عامين في كولومبيا.
الحكومة الإسبانية تقدّم هذا البرنامج، المعروف باسم HECO، على أنه حل عملي لسد النقص المزمن في اليد العاملة في القطاعات التي تعاني من عجز في العمال، وعلى رأسها الفلاحة. المزارعون في المنطقة يروون أنه قبل عامين فقط كانوا يواجهون صعوبات كبيرة في إيجاد عمال خلال ذروة المواسم في يوليو وأغسطس؛ فالكثير من المتوفرين كانوا من دون أوراق إقامة قانونية، وهو ما يشكّل، في نظرهم، مخاطرة قانونية واقتصادية لهم وللعمال على حد سواء. من هنا جاء الحماس لدى بعض أرباب العمل للانتقال إلى نموذج تعاقدي “منظم” مع عمال موسميين يُستقدَمون وفق مسار قانوني واضح ثم يعودون لموطنهم بعد انتهاء الموسم.
أحد كبار المزارعين في ييذا يشرح أن هذا النظام ينسجم أيضًا مع قدرات القرى الصغيرة التي تتضاعف أعداد سكانها صيفًا مع وصول العمال الموسميين. ففي ظل ضغط كبير على خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية، يرى أن وجود عمال لفترة محدودة ثم عودتهم إلى بلدانهم حل مريح: “نحتاج إلى الناس في الصيف، لا في الشتاء”، يقول. ورغم أن ربّ العمل يُلزَم بتحمّل نصف ثمن تذكرة الطائرة وتأمين سكن مدفوع الأجر للعمال، إلا أنه يعتبر برنامج HECO “مستقبل القطاع”، ويتوقع توسّعه مستقبلًا، خصوصًا مع شروع السلطات الإقليمية في دعم بناء مساكن خاصة لإيواء المزيد من العمال الموسميين بالقرب من المزارع.
في المقابل، تبدو الصورة قاتمة جدًّا من الضفة الأخرى، أي من جانب المهاجرين المقيمين أصلًا في إسبانيا، كثير منهم من إفريقيا، يعملون منذ سنوات في مواسم الحصاد متنقلين بين الأقاليم بحسب دورة الإنتاج. أمام إحدى القاعات الرياضية البلدية التي تحولت إلى مأوى مؤقت للعمال الموسميين الأكثر هشاشة، يعبّر عامل سنغالي يحمل إقامة قانونية منذ 2022 عن إحباطه: فقد عمل من قبل مع زملاء مغاربة جاؤوا عبر عقود مشابهة للعمل لبضعة أشهر ثم العودة، ويرى في هذا النموذج نوعًا من المفارقة؛ فالكثير من المهاجرين المقيمين في إسبانيا يبحثون عن عمل بشكل دائم، بينما يجري استقدام عمال جدد من الخارج بدل فتح باب التسوية القانونية وتسهيل اندماج من هم موجودون على الأرض بالفعل.
منظمات المجتمع المدني بدورها لا تخفي انتقاداتها. مستشارة قانونية في جمعية تُعنى بالدفاع عن حقوق العمال الزراعيين تشدد على أن المشكلة ليست في عدم وجود عمل، بل في إطار القانون الذي يحصر هؤلاء المهاجرين في قطاعات معينة ويمنعهم من الانتقال إلى مجالات أخرى خارج مواسم الحصاد. بالنسبة لها، الاعتماد المتزايد على عقود قصيرة الأمد لعمال “مستوردين” أشبه بالتعامل مع البشر كسلعة: يُجلبون عند الحاجة، يُستغلّون في فترة الإنتاج الكثيف، ثم يُعادون إلى بلدانهم، من دون ضمانات حقيقية لحقوقهم أو لمسار استقرار طويل الأمد.
ما يزيد الجدل أن برنامج HECO في توسع مستمر. فإلى جانب كولومبيا، أطلقت السلطات الإسبانية مشاريع تجريبية مع بلدان إفريقية مثل موريتانيا وغامبيا والسنغال، واستُقدِم في عام 2024 وحده نحو 20 ألف عامل أجنبي عبر هذا المسار، مع توقعات بزيادة العدد في السنوات المقبلة. هذا التوسع يغذّي الانطباع لدى المهاجرين المقيمين داخل إسبانيا بأنهم يُدفَعون إلى هوامش سوق العمل، ويُستبدَل بهم عمال أكثر “مرونة” من الخارج، لا يطمحون للإقامة ولا للمطالبة بحقوق أوسع.


