تؤكد قراءة سعودية متخصصة أن الحديث عن قرب تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب قبل أكتوبر 2023 كان مبالغاً فيه؛ إذ ارتبط أي تقدم ملموس بشرط حاسم هو موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على معاهدة دفاع وأمن وتعاون نووي تمنح المملكة ضمانات واضحة وتحتاج إلى 67 صوتاً. بعد حرب غزة، تغيّر المشهد داخلياً وخارجياً. وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مع مزاج سياسي جمهوري منقسم تجاه إسرائيل، ورفضه توسيع الانخراط العسكري الأميركي، قلّص فرص تمرير اتفاق شامل. زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر 2025 أظهرت أن تطوير الشراكة السعودية الأميركية والاستثمارات لا يشترطان إدخال إسرائيل في المعادلة، ما يجعل خطاب “التطبيع القريب” أكثر فائدة للحكومة الإسرائيلية في سياستها الداخلية والخارجية من كونه واقعاً سعودياً.
داخل المملكة، يحظى الرأي العام بأهمية لا يمكن تجاهلها. قبل أكتوبر 2023، لم يُنظر إلى إسرائيل كدولة صديقة، لكن فكرة العلاقات المشروطة بتنازلات ملموسة للفلسطينيين لم تكن مرفوضة بالكامل. اليوم، وخصوصاً بين الشباب، يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها التهديد الأكبر للأمن السعودي. ازداد الوعي بتفاصيل الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، من اتفاقات أوسلو وتقسيمات المناطق في الضفة الغربية، إلى مسارات التفاوض المعطلة. هذا التحول غذّته تغطيات وثائقية ومنصات إعلامية سعودية، ويتقاطع مع حسابات السلطة التي رأت أن الحرب القصيرة مع إيران في يونيو 2025 والقصف الذي طال قطر عززا الانطباع بأن الاندفاع الإسرائيلي يهدد الاستقرار الإقليمي برمّته، وأن الحديث عن تطبيع الآن يعطي انطباعاً بقبول إملاءات غير متكافئة.
اقتصادياً، العلاقات غير المعلنة ليست جديدة؛ منذ تسعينيات القرن الماضي، شارك مسؤولون سعوديون وإسرائيليون وعرب في لقاءات اقتصادية مرتبطة بمسارات مدريد وأوسلو. التعاون الاستثماري عبر شركات أميركية يُظهر أن التطبيع السياسي العلني ليس شرطاً لازماً لتحريك المصالح، وأن الاعتراف العام بزيارات يحملها حاملون لجنسيات مزدوجة قد يسبب إحراجاً. كما أن الحضور الإسرائيلي في المنظمات الدولية يفرض واقعية على إدارة النفوذ السعودي دون قطع للروابط المتعددة الأطراف.
على المستوى الإقليمي، أُعيد بناء قنوات الاتصال مع إيران برعاية صينية نهجاً أمنياً عقلانياً، من منطق صراع وجودي إلى خلافات بين جيران. لا يعني ذلك إسقاط اعتبار إيران تهديداً، بل التعامل معه بحوار مباشر يخفف أثر العوامل الخارجية التي كانت تحكم العلاقة. هنا تظهر إسرائيل كعامل تقويض: عملياتها وسردياتها الدعائية، التي روّجت لفكرة ضرب إيران “نيابة عن” الخليج، تعرقل مسار التقارب السعودي-الإيراني لأنها تغذي الخوف على حساب الثقة. بالنسبة للرياض، حماية مسار الحوار مع طهران واستقرار الخليج أولوية تخطيط طويل الأمد تتجاوز لعبة المجموع الصفري.
في المشهد الأوسع، تتقاطع أدوار السعودية وإيران وإسرائيل وتركيا، مع حضور فاعل للإمارات. سوريا تبقى ساحة اختبار. ترى الرياض فرصة لإعادة تشكيل البيئة السياسية عبر دعم موقع الرئيس السوري الموقت أحمد الشرّاع بما يحقق أهدافاً سعودية: الحدّ من نفوذ إيران دون صدام مباشر، وإعادة صلات سوريا بالعالم العربي والإسلامي. توسيع الإطار إلى “العالم الإسلامي” يُخفف الحدة مع الجيران غير العرب ويستوعب مصالح تركيا، ويدعم انتقالاً من المواجهة إلى الحوار.
تدفع السعودية نحو كبح أي تفاوض متسرّع مع إسرائيل في ظروف مختلّة، لأن ذلك يشجع تل أبيب على فرض إرادتها لاحقاً بمساندة واشنطن، ويقوّض فرصة إحياء المبادرة العربية للسلام على أسس أكثر توازنًا. كذلك تختلف رؤى الرياض وأبوظبي في ملفات اليمن والسودان؛ الأولى تدعم الحكومة الشرعية في اليمن، فيما الثانية تُراهن على مشروع انفصالي في الجنوب. رغم التباين، توجد حدود لا تُتجاوز، ما يُبقي التنافس تحت سقف مدروس.
المصدر: مقابلة منشورة في موقع Orient XXI مع الباحث السعودي عبدالعزيز الغشيان.




