نحن لا نقرأ قليلًا. بل نغمر أنفسنا في الكلمات حتى نفقد العالم

أضيف بتاريخ 01/21/2026
منصة المَقالاتيّ

يقدّم مقال «Dans notre monde saturé de mots, on lit beaucoup trop» تجربة شخصية تتحوّل إلى تأمّل فلسفي في علاقتنا بالكلمات، وفي ما يميز الوعي البشري عن الذكاء الاصطناعي. المقال منشور في مجلة Courrier international والمقتبس عن نص لِكِت ويلسون في The New Statesman. الكاتب يروي كيف قرّر التخلّي عن هاتفه الذكي، ليكتشف ليس فقط تحسّنًا في التركيز والنوم، بل قبل كل شيء تراجعًا ملحوظًا لمكانة اللغة في يومياته، بعدما كانت شاشته تغمره بسيل من الأخبار والتغريدات والرسائل والمقالات.



ويلسون يقترح فكرة معاكسة للسردية السائدة انطلاقًا من هذا «الفطام اللغوي»: المشكلة ليست في تراجع القراءة والكتابة، بل في حالة «فرط التعلّم على القراءة» أو ما يسميه نوعًا من «الفرط في الألفنة»، حيث يغدو العقل مشغولًا بلا توقف بالنصوص إلى حد فقدان الحساسية للتجربة المباشرة، الحسية والزمنية، التي لا تلتقطها الكلمات بسهولة. الكاتب الفيلسوف غوتلوب فريغه ليذكّر بأن معنى الكلمات كيان لا زماني ولا مكاني، مستقل نسبيًا عن الحبر والورق، وأن الانغماس في هذا العالم المجرّد يخلق نوعًا من الانفصال عن «المنظر» لصالح «الخريطة»؛ أي عن الواقع لصالح تمثيله اللغوي.

هذا الانفصال يصبح أكثر إشكالًا في عصر النماذج اللغوية الضخمة، حيث تكتسب الآلات قدرة متزايدة على محاكاة الكفاءة اللغوية البشرية. فالكاتب يرى أن ما يظلّ فارقًا حاسمًا بيننا وبين الذكاء الاصطناعي هو خبرتنا المجسّدة بالعالم: إحساسنا بجريان الزمن، واحتكاكنا اليومي بالأشياء، وطبقات المعنى التي تنشأ قبل الكلمات، بينما يميل الإنسان المعاصر، بفعل القصف النصي الدائم، إلى تجاهل هذه الطبقة التحتية من الوعي. ومن هذا المنظور، فهمُنا للنصوص التي تنتجها الآلة لا يعود إلى براعة لغوية صِرف، بل إلى قدرة على الوقوف خارج اللغة، والحكم على صحة العبارات ووجاهتها انطلاقًا من مخزون خبرات أوسع وأسبق من الكلام ذاته.

المقال يشكّك أيضًا في أطروحة من يراهنون على أن تزويد الروبوتات بحساسات وكاميرات كافٍ لتمكينها من «تجربة» العالم كما نفعل نحن. في نظر صاحبه، ربط نموذج لغوي بالكاميرا لا يتجاوز حدود تفسير بيانات رقمية وتنسيق حركات آلية، من دون أن ينتج عنه بالضرورة وعي بالزمن أو إحساس بالوجود المادي للأشياء. وحتى لو أتيح لهذه النظم قدر من المعالجة «الواعية»، يظلّ من العسير، كما يجادل الكاتب، تخيّل كيف يمكن إقناعها بواقعية ما يتجاوز الأرقام والكلمات، ما لم يُفترض سلفًا أن وعينا نحن مجرّد وهم ناتج عن معالجة ثنائية للبيانات.

يستدعي المقال نقد نيتشه لزمن الصحافة والقراءة الجماهيرية لكي يبيّن أن خطر الذوبان في اللغة ليس جديدًا. حيث حذّر الفيلسوف الألماني من استبدال الحسّ الديني والفلسفي بـ«روح اليوم» و«عدم روح الجرائد»، معتبرًا أن الإنسان بنى في اللغة عالمًا موازيًا يستند إليه ليُخضِع العالم الواقعي. غير أن الكاتب يلاحظ أن التقنيات الرقمية دفعت هذه النزعة إلى ذروتها، إذ صار الهاتف الذكي قادرًا على احتلال كل فراغ صغير في اليوم بسيل من الكلمات. لكنه يمنحنا في الوقت نفسه فرصة نادرة: إمكان قطع هذا السيل فجأة، واستعادة تماس مباشر مع التجربة الخام لما قبل اللغة.

يختتم المقال بفكرة عملية: من يريد أن يفهم حقًّا لماذا لن تستبدلنا أنظمة الذكاء الاصطناعي بسهولة، عليه أن ينسحب قليلًا من عالم النصوص، يغلق هاتفه ويخرج إلى الشارع، ليستعيد وعيه بالموجودات والوقت والجسد؛ تلك الطبقة من الخبرة التي تجعل اللغة ممكنة، لكنها لا تختزل أبدًا فيها.