تطرح كاتبة مقال بالغارديان رؤية نقدية لطريقة تشكّل وادي السيليكون لعلاقتنا بالعالم، من خلال ما تسميه «طغيان ما يمكن قياسه»، حيث تُختَزل قيمة الأفعال في الإنتاجية والسرعة والراحة، على حساب التجربة الحية والعلاقات الإنسانية والتواصل مع الطبيعة. وترى أن هذه الأيديولوجيا، التي بدأت مع الرأسمالية وتسارعت مع المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تدفعنا إلى امتلاك المزيد وفعل أقل، فتقطع شيئاً فشيئاً الروابط التي تشكّل إحساسنا بالذات وبالآخرين وبالمحيط.
تستحضر الكاتبة مثال قطف التوت أو زراعة الطماطم لتبيّن أن قيمة هذه الأنشطة لا تُختزل في الناتج المادي، بل في الزمن الذي نقضيه مع الطبيعة، وفي الحواس التي نُشغّلها، وفي الإحساس بالإنجاز، وفي الهدوء الذي تولّده هذه الممارسة. وتوضح أن اختزال هذه التجارب في حسابات الكلفة والعائد، كما تفعل التكنولوجيا عندما تقدّم حلولاً «أكثر كفاءة»، يعني إفقادها معانيها العميقة وتحويلها إلى مجرد «منتَج» يمكن شراؤه جاهزاً.
في مستوى الحياة اليومية، تشير الكاتبة إلى انتشار الشاشات ولوحات الطلب الذاتي في المطاعم والمتاجر واستبدال التفاعل البشري بواجهات رقمية، ما يقلّص فرص الاحتكاك العفوي بالناس في الفضاء العام، ويُضعف الشعور بالانتماء إلى مكان وجماعة. وتربط هذا التحوّل بتآكل الحياة الديمقراطية نفسها، لأن قبول الاختلاف والتعلّم من الآخرين والتعايش مع الاحتكاك اليومي كلها مهارات تُكتسب عبر حضورنا الجسدي في العالم، لا عبر العزلة أمام الشاشات.
على المستوى العاطفي والذهني، تنتقد الكاتبة خطاب شركات الذكاء الاصطناعي التي تعدنا بأننا «لن نفكر وحدنا بعد اليوم»، وأن الآلات يمكن أن تكتب لنا النصوص، وتقرّر عنا في العلاقات، وتساعدنا حتى في اختيار الفاكهة الناضجة. هذا التفويض المستمر، برأيها، يؤدي إلى ضمور القدرة على اتخاذ القرار، وإلى فقدان مهارات التفكير والنقد والكتابة بوصفها أدوات لتشكيل الذات وبناء رؤية أخلاقية للعالم.
تتوقف الكاتبة عند الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في مجالات حميمية، من كتابة رسائل الحب إلى إقامة علاقات عاطفية وجنسية مع روبوتات أو تطبيقات محادثة، وترى أن ذلك يقدّم نسخة «منقوصة» من eros المتجسّد، الخالي من تعقيدات الجسد والاختلاف والمخاطرة والرفض. وتعتبر أن الوعود بعلاقات خالية من المتطلبات ومن آلام الفشل هي امتداد لمنطق استهلاكي يجعل الهدف هو تلقي أكبر قدر ممكن من المتعة مع بذل أقل قدر من العطاء، مع أن العطاء نفسه عنصر أساسي في بناء الذات وفي اختبار المعنى.
في مواجهة هذا المسار، تدعو الكاتبة إلى استعادة لغة جديدة نُسمّي بها ما تحاول التكنولوجيا تهميشه: الصعوبة، البطء، عدم اليقين، الهشاشة، الجسد، الاحتكاك، والتجارب التي لا تُقاس بمؤشرات الربح والكفاءة. وترى أن الدفاع عن هذه القيم يمرّ عبر إعادة الاعتبار للأعمال الشاقة عاطفياً وأخلاقياً، مثل مواجهة الخلاف، وتحمل مسؤولية العلاقات، والبقاء حاضرين مع الآخرين في الحزن والفرح، وهي مجالات لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلّ فيها محل البشر.
وتشدد الكاتبة على مركزية الجسد والحضور المادي، مستشهدة بدراسات تُظهر كيف يقلّل لمس اليد من استجابة الدماغ للألم، وبأمثلة عن الحضور الصامت إلى جانب المفجوعين، وعن قوة المشي والرقص والصلاة الجماعية والمظاهرات في خلق شعور عميق بالانتماء. وتخلص إلى أن ما يحتاجه الإنسان في مواجهة العزلة الرقمية ليس مزيداً من التطبيقات، بل شبكات حقيقية من الأصدقاء والمجتمعات المحلية، ومساحات مشتركة تُبنى فيها الثقة والرعاية المتبادلة.
أخيراً، تؤكد الكاتبة أن استعادة ما تسلبه التكنولوجيا تتطلب مقاومة هيمنة لغة الشركات على خيالنا، وتفضيل الفعل على الامتلاك، وبناء علاقة أوثق بالطبيعة والكائنات الأخرى التي تذكرنا بأننا لسنا مركز الكون. وتعتبر أن مقاومة «وادي السيليكون» لا تكون فقط بتقليل زمن الشاشة، بل أيضاً بتقدير الفرح البسيط للعلاقات الإنسانية والحياة المتجسدة، بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة ضد نزع الإنسانية وتحويلها إلى بيانات وأرقام.


