في مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026، لم يكن المزاج العام مجرد قلق عابر أو مراجعة دورية لتحديات النظام الدولي، بل أقرب إلى إعلان غير رسمي عن نهاية مرحلة تاريخية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية. الخطاب السائد بين القادة والسياسيين والخبراء حمل فكرة واحدة أساسية: العالم الذي تشكّل بعد 1945، بقواعده ومؤسساته وترتيباته الأمنية، لم يعد قائماً كما عرفناه، وأن البشرية تعيش اليوم في زمن انتقالي نحو نظام أقل استقراراً وأكثر خضوعاً لمنطق القوة الصلبة.
تقرير الأمن الصادر هذا العام تحت عنوان "تحت الدمار" جاء كوثيقة تؤطر هذا التحول العميق، ليس فقط بوصفه نتيجة لحروب أو أزمات متفرقة، بل كحصيلة تراكمية لتآكل الشرعية الدولية وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، من الأمم المتحدة إلى حلف شمال الأطلسي وغيرها من الأطر التي كانت تشكل أعمدة النظام الليبرالي العالمي. التقرير يشير إلى أن ما يواجهه العالم ليس مجرد اختبار لقدرة النظام على التكيف، بل تهديد وجودي لبنيته الأساسية، في ظل صعود فاعلين دوليين لا يعترفون بالضرورة بقواعد ما بعد 1945، وتنامي سياسات تقوم على الهدم والتعطيل أكثر مما تقوم على البناء وإدارة التوازنات.
في هذا السياق، جاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز كأحد أكثر المواقف صراحة، حين أكد أن "النظام العالمي الذي استمر لعقود طويلة لم يعد موجوداً"، مضيفاً أن العالم دخل مرحلة "سياسة القوى العظمى". هذا التوصيف يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل الحربين العالميتين، حين كانت العلاقات الدولية محكومة إلى حد كبير بلعبة المصالح المباشرة، والتحالفات المتحركة، ومناطق النفوذ، بعيداً عن أي إطار قانوني أو مؤسسي ضابط. تحذير ميرز من أن الحرية لم تعد أمراً مسلماً به في هذا الواقع الجديد يعكس شعوراً عميقاً بأن المكاسب الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تعد محمية بحائط دولي متماسك، بل باتت رهناً بقدرة كل دولة ومجتمع على الدفاع عنها في بيئة أكثر عدائية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تبنى رؤية قريبة، لكن بزاوية أوروبية أكثر وضوحاً. فبالنسبة له، لم تعد هياكل الأمن التقليدية في أوروبا، التي تشكلت في ظل المظلة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية ثم خلال الحرب الباردة، قادرة على أداء دورها السابق. التحذير من ضرورة "استعداد القارة للحرب" لا يعني التبشير بحرب محتومة بقدر ما يعكس إدراكاً بأن أوروبا لم تعد تستطيع افتراض أن الردع الجماعي أو الضمانات الخارجية كافية لحمايتها. دعوات ماكرون المتكررة لبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، بما في ذلك نقاشات حساسة حول دور الردع النووي الأوروبي، تبدو اليوم أقل مثاراً للجدل وأكثر انسجاماً مع الشعور العام بأن الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خياراً مضموناً.
من الجانب الأمريكي، جاء تقييم وزير الخارجية ماركو روبيو منسجماً مع هذا التحول في الخطاب: "نعيش اليوم في عصر جيوسياسي جديد، لأن العالم القديم قد ذهب". هذه العبارة تختزل رؤية مفادها أن واشنطن لم تعد ترى نفسها حارساً أو ضامناً أوحد للنظام العالمي، بل لاعباً رئيسياً ضمن ساحة مزدحمة بالقوى الصاعدة والمتوسطة، من الصين وروسيا إلى قوى إقليمية أخرى تحاول فرض وقائع جديدة في محيطها. في هذا الإطار، يتزايد التركيز الأمريكي على إعادة تعريف الالتزامات، وتوزيع الأعباء، وربط الدعم الأمني بحسابات داخلية وسياسية واقتصادية، ما يترك فراغات في مناطق متعددة من العالم، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، ويتسبب في إعادة تشكل خرائط التحالفات.
النتيجة المباشرة لهذا التحول في الخطاب والممارسة تبدو واضحة على عدة مستويات. أولاً، تراجع مركزية المؤسسات الدولية التي وُلدت من رحم 1945، سواء بسبب عجزها البنيوي عن التعامل مع الأزمات الكبرى مثل الحرب في أوكرانيا والنزاعات في الشرق الأوسط، أو نتيجة استخدام حق النقض وغيرها من الآليات لتعطيل قدرتها على الفعل. ثانياً، تصاعد منطق "الحروب الهجينة" التي تمزج بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والإعلامية والسيبرانية، وتستنزف الدول والمجتمعات دون الوصول إلى إعلان حرب شامل، كما يتجلى في استهداف البنى التحتية، وحملات التضليل، والضغط عبر الطاقة والهجرة والعملة. ثالثاً، صعود شعبويات قومية في الغرب والشرق على حد سواء، تجعل من الالتزامات الدولية موضع تشكيك دائم، وتقدم السيادة المطلقة والمصلحة الوطنية الضيقة على أي اعتبارات جماعية.
في أوروبا، تبدو المخاطر أكثر حدة، بحكم الجغرافيا والقرب من بؤر التوتر. التحذيرات من "استنزاف أوروبا" عبر الحروب الهجينة والضغوط الاقتصادية والسياسية تعبر عن مخاوف من أن القارة، التي بنت نموذجها على الرفاه والاندماج والسوق الموحدة، قد تصبح ساحة صراع مفتوح بين قوى متنافسة، من روسيا شرقاً إلى الولايات المتحدة والصين على المستوى العالمي. هذا يفسر تصاعد النقاش حول زيادة الإنفاق الدفاعي، وتحديث القدرات العسكرية، وربط ملفات الأمن بالطاقة والهجرة والتكنولوجيا، في محاولة لبناء نوع من المناعة الاستراتيجية في مواجهة عالم أقل قابلية للتنبؤ.
مع ذلك، لا يعني الحديث عن "نهاية النظام العالمي" بالضرورة غياب أي نظام بديل أو حتميّة الفوضى الكاملة. ما يتشكل اليوم أقرب إلى نظام تعددي غير مستقر، تتشارك فيه قوى عدة في رسم قواعد لعبة متغيرة باستمرار، حيث تتعايش عناصر من النظام القديم (مثل بعض الاتفاقات والمؤسسات) مع ترتيبات جديدة تقوم على الصفقات الثنائية والتحالفات المرنة والتحالفات الموضوعية المؤقتة. في مثل هذا السياق، يمكن أن تتحول مناطق كأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا إلى مختبرات لتجريب صيغ جديدة للأمن الجماعي أو التعايش القلق بين مشاريع متعارضة.
على مستوى الخطاب، تعكس مداخلات ميرز وماكرون وروبيو في ميونيخ نوعاً من "الاعتراف المتأخر" بأن مرحلة إنكار التحول قد انتهت. لسنوات طويلة، استمرت النخب السياسية في الحديث عن "أزمة" في النظام الليبرالي أو "تحديات" أمام المؤسسات الدولية، لكنها تجنبت استخدام لغة القطيعة. الجديد في ميونيخ 2026 هو الانتقال من لغة الأزمة إلى لغة الانهيار: لم يعد السؤال كيف نصلح النظام، بل كيف نتكيف مع واقع أن النظام نفسه لم يعد قائماً بشكل يمكن الدفاع عنه. هذا التحول في اللغة يعكس تحولات أعمق في الإدراك الاستراتيجي، وقد يمهد لسياسات أكثر جذرية في مجالات الدفاع والاقتصاد والتحالفات.
في العالم العربي، يحمل هذا التحول أبعاداً إضافية. فدول المنطقة كانت تاريخياً من أكثر المتأثرين بخرائط ما بعد 1945، سواء في حدودها أو نظمها السياسية أو مواقعها في الاستراتيجيات الكبرى للقوى العالمية. إذا كان النظام القديم يتداعى، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت المنطقة قادرة على صياغة مقاربات أمنية وسياسية أقل تبعية للمركز الغربي، وأكثر انسجاماً مع مصالحها الوطنية والإقليمية، أم أنها ستجد نفسها مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى في عصر "سياسة القوى العظمى". بالنسبة لصحفي أو باحث في الشأن الدولي، تصبح متابعة هذا التحول، ورصد خطاب العواصم الغربية والشرقية، وتحليل أثره على قضايا مثل الطاقة والهجرة والنزاعات الإقليمية، جزءاً أساسياً من فهم المشهد القادم.
يمكن القول إن مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 لم يقدّم وصفة جاهزة لنظام عالمي جديد بقدر ما وثّق لحظة اعتراف جماعي بأن العالم دخل بالفعل مرحلة ما بعد ما بعد الحرب العالمية الثانية. ما سيتشكل لاحقاً سيعتمد إلى حد كبير على خيارات الفاعلين الكبار والمتوسطين والصغار على حد سواء: هل سيُعاد بناء قواعد جديدة أكثر عدلاً وتوازناً، أم سيُترك المجال لصراع مفتوح بين قوى لا يجمعها سوى الإيمان بأن القوة، لا القانون، هي الحكم الأخير في العلاقات الدولية؟ هذه هي المعضلة التي سيستمر الجدل حولها في المؤتمرات القادمة، وربما في أجيال قادمة أيضاً.


