ألمانيا على خطّ النار: هل تصنع أقوى جيش أوروبي أم تنافس فرنسا على الزعامة؟

أضيف بتاريخ 02/18/2026
منصة المَقالاتيّ

يعود النقاش في أوروبا حول موقع القوّة العسكريّة في مشروع البناء الأوروبي، لكن هذه المرّة من برلين. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس بوضوح رغبته في تحويل الجيش الألماني إلى «أقوى جيش تقليدي في أوروبا»، في امتداد لمسار انطلق بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين قرّرت ألمانيا أن تتحرّر تدريجيًا من قيود «التحفّظ العسكري» بعد الحرب العالمية الثانية وتتقدّم إلى الصفّ الأوّل على الصعيد الدفاعي. هذا التحوّل لا يطرح فقط سؤال توازن القوى داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بل يفتح أيضًا نقاشًا حسّاسًا حول العلاقة مع فرنسا، القوة النووية الأوروبية الوحيدة داخل الاتحاد، وحول مستقبل «أوروبا الدفاعية» بين منطق توحيد القدرات ومنطق المنافسة الصناعية والاستراتيجية.



تغيّر السياق الدولي لعب دورًا مركزيًا في هذا الانعطاف الألماني. عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعادت الشكوك القديمة في العواصم الأوروبية حول مدى استمرارية المظلّة الأمنية الأمريكية، سواء عبر التشكيك في جدوى الحلف الأطلسي أو طرح إمكانية تقليص الالتزام العسكري الأمريكي في القارة. في الوقت نفسه، برزت ملفات جديدة مثل التوتّر حول مستقبل جزيرة غرينلاند، وما رافقه من تكهّنات حول سيناريوهات ضمّ أو شراء محتمل من جانب الولايات المتحدة، ما وضع الدنمارك والاتحاد الأوروبي في مواجهة مباشرة مع أطماع قوة حليفة يفترض أن تكون ضامنة للأمن لا طرفًا ينازع على الأراضي والموارد. بالنسبة لألمانيا، التي تحتضن على أراضيها عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين وتعتبر هذا الوجود ضمانة أمنية أساسية، عُدّت هذه الرسائل إنذارًا مبكرًا يدفع إلى تسريع بناء قدرات أوروبية ذاتية من دون قطع الجسور مع واشنطن.

منذ خطاب «التحوّل التاريخي» (Zeitenwende) الذي ألقاه المستشار السابق أولاف شولتس في فبراير 2022، بدأ مسار إعادة تسليح متدرّج. رفعت برلين إنفاقها العسكري إلى 2 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، وأطلقت صندوقًا خاصًا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني الذي عانى من الإهمال طوال عقود ما بعد الحرب الباردة. مع وصول ميرتس، تحوّل هذا التوجّه إلى برنامج سياسي معلن يربط الأمن القومي الألماني بأولوية إعادة بناء القدرة التقليدية عبر الاستثمار في الضربات بعيدة المدى، والدفاع الجوي، والقدرات الفضائية، والتكنولوجيا المرتبطة بالطائرات المسيّرة، بهدف تمكين ألمانيا من لعب دور مركزي في دعم أوكرانيا وتعزيز الجناح الشرقي لحلف الأطلسي من بحر الشمال إلى البحر الأسود.

داخل حلف الناتو نفسه، تعكس الأرقام مستوى الطموح الجديد. فقد اتفق القادة في قمة لاهاي عام 2025 على هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج الداخلي الخام بحلول 2035، على أن تخصّص 3,5 بالمئة للقدرات القتالية المباشرة و1,5 بالمئة للبنى التحتية الحيوية، والسكك الحديدية، والأمن السيبراني. وتحرص برلين على أن تكون في طليعة الدول التي تبلغ هذا السقف قبل الموعد المحدّد، في محاولة لتكريس صورة ألمانيا بوصفها «المحرّك الدفاعي» في أوروبا لا مجرّد تابع للمظلّة الأمريكية. لكن هذا المسار يعني عمليًا زيادة كبيرة في عدد الجنود والاحتياطيين، وتوسيع الانتشار العسكري الألماني في دول البلطيق وعلى الجبهة الشرقية، بما في ذلك نشر ألوية كاملة في دول مثل ليتوانيا، وتحديث معايير الجاهزية والقدرات اللوجستية.

التسليح لا ينفصل عن الصناعة. شركات كبرى مثل «راينمتال» المتخصّصة في الدبابات والذخائر و«هنسولت» العاملة في مجالات الرادارات والاستشعار والطائرات المسيّرة، أصبحت في قلب هذه الدينامية الجديدة، مدفوعة بطلب داخلي متزايد وعقود تصدير أوروبية ودولية. كما تظهر شراكات مع شركات أوكرانية لإنتاج المسيّرات وتطوير قدرات تكنولوجية ميدانية لدعم كييف، ما يكرّس ألمانيا لاعبًا رئيسيًا في «اقتصاد الحرب» الذي يتشكّل تدريجيًا في أوروبا منذ 2022. بهذا المعنى، يكتسب شعار «أقوى جيش تقليدي في أوروبا» بُعدًا اقتصاديًا وصناعيًا بقدر ما يمثّل رهانًا عسكريًا واستراتيجيًا.

غير أنّ هذه الصعود الألماني يوقظ حساسيّات قديمة مع باريس حول معنى «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية وحدودها. على المستوى النووي، تظلّ ألمانيا معتمدة بالكامل على المظلّة الأمريكية، لكنها لا تغلق الباب أمام فكرة نوع من التكامل مع الردع النووي الفرنسي، في امتداد لخطاب ألقاه الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2020 في مدرسة الحرب دعا فيه إلى التفكير في توسيع مفهوم «المصالح الحيوية» الفرنسية ليشمل شركاء أوروبيين. رغم ذلك، يخشى جزء من النخبة الألمانية من أن أي اقتراب مفرط من المظلّة الفرنسية قد يُفسَّر في واشنطن كبديل عن الضمانات الأمريكية، ما يدفع برلين إلى الحذر في الطرح والإصرار على أن يكون أي ترتيب نووي محتمل مكملًا للحلف الأطلسي لا موازيًا له.

على المستوى الصناعي، تتجسّد التنافسات في ملف «نظام القتال الجوي المستقبلي» (SCAF)، الذي أرادته فرنسا منذ 2017 مشروعًا رمزيًا لتجسيد قدرة أوروبية سياديّة في مجال الطيران القتالي. سرعان ما ظهرت خلافات حادّة بين الشركاء، خصوصًا بين «داسو» الفرنسية و«إيرباص» ذات الحضور الألماني القوي، حول تقاسم الملكية الفكرية، وهندسة القيادة في المشروع، وتوزيع المهام الصناعية واختيار المقاولين من الباطن. في خلفية هذه الخلافات يلوح سيناريو انقسام أوروبي إلى مشروعين متنافسين بدل منصة مشتركة واحدة، وهو ما يهدّد بتحويل شعار «أوروبا الدفاعية» إلى ساحة لسباق قوميّ على العقود والوظائف والتكنولوجيا بدل أن يكون فضاءً للتوحيد والتكامل.

الجبهة الشرقية والملف الأوكراني يبقيان عاملَي تسريع لهذا التحوّل بأدلته المالية والسياسية. بحسب بيانات الحكومة الفدرالية ومعطيات معهد كيل للاقتصاد العالمي، سجّلت ألمانيا منذ 2022 مستويات مرتفعة من الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، لتصبح من بين أبرز المموّلين الأوروبيين لكييف، إلى جانب مساهماتها ضمن آليات الاتحاد الأوروبي المشتركة. تسوّغ برلين هذا الجهد بضرورة منع تكريس منطق «مناطق النفوذ» الروسية، وبالدفاع عن أولوية القانون الدولي على «شريعة الغاب»، كما كرّر ميرتس في أكثر من خطاب، مع التأكيد على أن أمن أوروبا يبدأ من قدرة أوكرانيا على الصمود أمام العدوان الروسي. في الوقت نفسه، تتصاعد التحذيرات من أشكال الحرب الهجينة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، من شبكات الطاقة إلى الأنظمة المعلوماتية، مع نسب هجمات مختلفة إلى روسيا أو إلى مجموعات متحالفة معها، ما يفرض على الأجهزة الألمانية والأوروبية الانتقال من وضعية الدفاع السلبي إلى بناء قدرات هجومية سيبرانية «تبادلية» كما توصي بذلك تقارير استخباراتية رسمية.

في سياق أوسع، تحاول برلين تقديم نفسها بوصفها محرّكًا لمشروع دفاع أوروبي متماسك لا منافسًا مباشرًا لفرنسا. غير أنّ الوقائع الميدانية والاقتصادية تشير إلى إعادة رسم خريطة القوة داخل القارّة: إذا نجحت ألمانيا في بناء أقوى جيش تقليدي، وظلّت فرنسا القوة النووية الأوروبية الوحيدة داخل الاتحاد، فسيجد البلدان نفسيهما مضطرّين إلى ابتكار صيغة «تقاسم أدوار» جديدة تجمع بين القوة البرية والصناعية الألمانية والردع النووي والخبرة العملياتية الفرنسية. بين مظلّة أمريكية أقلّ يقينًا، وضغط روسي مزمن، وتنامي تهديدات هجينة تستهدف عمق المجتمعات الأوروبية، لن يعود السؤال مقتصرًا على حجم الإنفاق العسكري، بل سيمتد إلى طبيعة الشراكة الفرنسية ــ الألمانية: هل تتحوّل إلى عمود فقري حقيقي لدفاع أوروبي مشترك، أم تنزلق إلى منافسة مكتومة على الزعامة تجعل من «أوروبا الدفاعية» مجرد شعار يردَّد في المؤتمرات أكثر مما يتجسّد على الأرض؟

المصدر